معركة الزعامة الأوروبية
ميلوني توظّف أزمة باريس لتغيير سياسات التكتل
بين خصومة مفتوحة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتقارب محسوب مع معسكر اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان، تخوض جورجيا ميلوني معركة سياسية تتجاوز حدود إيطاليا إلى مستقبل موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي.
فرئيسة الوزراء الإيطالية، التي أمضت 4 سنوات في صدامات متكررة مع باريس، ترى في صعود اليمين الفرنسي فرصة لتعزيز نفوذها الأوروبي، لكنها لا تزال حذرة من التحالف مع لوبان، رغم الإشارات الودية القادمة من معسكرها.وبين حسابات الماضي ورهانات انتخابات 2027 الفرنسية، تبرز معادلة معقَّدة: كيف تستفيد ميلوني من إضعاف ماكرون دون أن تخسر موقعها داخل المؤسسات الأوروبية التي تسعى إلى تغييرها من الداخل؟
ضغينة تاريخية ذات اتجاه واحد
العلاقة المعقدة بين ميلوني وفرنسا ليست وليدة 2022. في أكتوبر 2020، حين كانت في صعود استطلاعي حاد، رفعت شعار “ماكرون ارفع يديك عن مون بلان!” مُتهمةً فرنسا بـ”ضمّ” أعلى قمة أوروبية، في خلاف حدودي يعود إلى القرن التاسع عشر تتعلق بقيود على الطيران الشراعي. قائلة، آنذاك، “ثمة حدود للاستسلام أمام فرنسا، وأن تُسرق مون بلان منك أمرٌ لا يُحتمل».المؤرخ السياسي لورنزو كاستيلاني، أستاذ جامعة لويس في روما، يُرجع هذا الاستياء في تصريح لصحيفة لوموند إلى جرح عميق: “ميلوني متأثرة بذكرى 2011 المُؤلمة”، حين أُزيح سيلفيو برلوسكوني، حيث كانت وزيرة الشباب، ليحل محله ماريو مونتي بقرار “تقرأه على أنه مؤامرة فرنسية”، في أعقاب ما رأته “إذلالا فرضته فرنسا في ليبيا” بإسقاط نظام معمر القذافي الذي كان حليفاً رئيساً لروما، ما أفضى إلى موجة هجرة غير نظامية حادة.ويكشف استطلاع أجرته “إيبسوس” العام 2019 عمقَ هذا التوتر غير المتبادل: 33% من الإيطاليين يُبدون عدم تعاطف مع الفرنسيين، مقابل 6% فقط من الفرنسيين يُحمّلون مثل هذه المشاعر تجاه جيرانهم.
4 سنوات من الأزمات
لم يكن اللقاء الأول إلا مقدمة لسلسلة من الصدامات. بعد 3 أسابيع من اللقاء الأول، رفضت إيطاليا استقبال سفينة إنقاذ للمهاجرين “أوشن فايكينغ” فانتهت إلى ميناء فرنسي، ما أشعل أزمة دبلوماسية.ورغم معاهدة “كيرينال” للتعاون الثنائي التي وقّعها ماكرون وماريو دراغي العام 2021، ظلت السنوات التالية مُلطّخة باتهامات متبادلة وزيارات مُلغاة ولقاءات بلا مآلات. قمة فرنسية-إيطالية تأجّلت مرات عدة قبل أن تُنظَّم أخيراً في أنتيب في يونيو.
وفي فبراير الماضي، علّقت ميلوني على مقتل شاب فرنسي من تيار اليمين المتشدد في ليون خلال مواجهات مع ناشطين من اليسار، قائلةً إن الحادثة “جرح للقارة الأوروبية”، فردّ ماكرون بلهجة ساخرة: “أجدني دائماً مندهشاً حين أرى أناساً قوميين يطالبون بعدم التدخل في شؤونهم، ثم يكونون أول من يُعلّق على ما يجري في بلدان الآخرين».
إعجاب «بالمرأة القوية في أوروبا»
على الرغم من الصدامات مع الإليزيه، تحظى ميلوني بإعجاب واسع في الدوائر اليمينية الفرنسية. مجلة “لو جورنال دو ديمانش” وصفتها “بالقائدة الجديدة في أوروبا” صيف 2025، وتابعت ذلك مجلات “فاليور أكتوال” و”لو بوان” و صحيفة”لو فيغارو”. وأثارت موجةً من التحليلات الإضافية حين رأت فيها مجلة “لكسبريس” أنها “المرأة القوية في أوروبا” التي قد تُلهم فرنسا.في أوساط الأعمال الفرنسية، يُشاد بميلوني لقدرتها على ضبط العجز الإيطالي فيما تتعثر فرنسا في أزمة مالية متواصلة، ويُشار إلى الامتيازات الضريبية التي تمنحها إيطاليا للثروات الكبيرة.
ماريون ماريشال.. الجسر بين روما وباريس
الحليفة الفرنسية الأمتن لميلوني هي ماريون ماريشال، ابنة أخ مارين لوبان والنائبة الأوروبية الذي يجلس حزبها “وطنيون من أجل أوروبا”في كتلة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين «ECR» التي تهيمن عليها حركة “فراتيللي ديتاليا” لميلوني. العلاقة بينهما تمتد إلى الأسرة: ماريون ماريشال متزوجة من فينتشنتسو سوفو، أحد قياديي الحزب الإيطالي.
وتدخّلت ميلوني في مهرجان خطابي لماريشال، العام 2025، داعيةً إلى “وحدة اليمين واليمين المتطرف في فرنسا”، وهو ما وصفه الدبلوماسيون الفرنسيون في روما بأنه “اقتراب من التدخل.»
لوبان.. حساب معلّق منذ 2016
لكن علاقة ميلوني بمارين لوبان أكثر تعقيداً. مصدر قريب من “التجمع الوطني” يُفسّر القطيعة المستمرة منذ 2016 بمنطق الكبرياء: “حين كانت ميلوني في قعر الهاوية، كانت تركض وراء لوبان التي لا تردّ على اتصالاتها. الآن انعكست المعادلة وميلوني هي من تتجاهل».
لكن مع اقتراب 2027، تلطّفت لوبان. ففي مقابلة مع “فايننشال تايمز” في 14 أكتوبر، أثنت عليها قائلةً: “ميلوني لم تتغير قط، هي سياسية بقناعات أفادت إيطاليا كثيراً، لكنها تعمل في بيئة مقيّدة».
مصدر في محيط لوبان كشف لـ”لوموند” أن ماريشال قد تكون “الورقة الرابحة” في أي تقارب مستقبلي مع ميلوني.
فيما وصفت شخصية من داخل اليمين المتطرف الفرنسي المشهد بالقول: “الجميع يريد أن يكون مع ميلوني، سواء من LR أو RN»أي الجمهوريون والتجمع الوطني” لوبان تبعث إشارات إيجابية.
لكن ميلوني تبحث عن حليف فرنسي أو إسباني يُضخّم ثقلها في المجلس الأوروبي».
لكن فوزا متزامنا لميلوني في الانتخابات التشريعية الإيطالية ولوبان في الرئاسية الفرنسية قد يُعيد رسم موازين الاتحاد الأوروبي في الهجرة والانضباط الاقتصادي وإعادة صياغة المؤسسات.
وبالنسبة لميلوني، التي التزمت حتى الآن بقواعد لعبة المؤسسات الأوروبية، دون أن تتخلى يوماً عن فكرة تغيير الاتحاد من الداخل، فإن ذلك قد يمنحها نفَساً جديداً.