هل تعتمد موسكو «التجنيد التعاقدي» لخوض «حرب الاستنزاف» على الجبهات الأوكرانية
تتمسّك روسيا بنفي أي نية لإطلاق موجة تعبئة جديدة، في وقت تؤكد أن نظام التجنيد التعاقدي بات قادراً على تلبية احتياجات الجبهة، رغم استمرار الحرب في أوكرانيا للعام الخامس على التوالي، بينما تصف كييف هذه التصريحات بأنها جزء من الحرب النفسية.
ويرى خبراء عسكريون أن الكرملين يسعى إلى الحفاظ على زخم عملياته العسكرية دون تحمل التداعيات السياسية والاجتماعية التي رافقت التعبئة الجزئية عام 2022.
وفي هذا السياق، كشف مصدر أوكراني مطلع على تقييمات الاستخبارات العسكرية، في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أن القيادة الروسية لا ترغب في تكرار سيناريو التعبئة العامة، ليس بسبب الاكتفاء العددي فقط، وإنما خشية انعكاساتها الداخلية، مشيراً إلى أن موسكو تعمل على استبدال نموذج «الاستدعاء الإجباري» بنظام يعتمد على التعاقد والحوافز المالية لضمان تدفق مستمر للمقاتلين مع تقليل فرص الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية.
وأضاف المصدر أن الاستخبارات الأوكرانية تتابع من كثب حملات التجنيد الروسية، وتعتقد أن الكرملين يراهن على تعويض الخسائر تدريجياً عبر المتعاقدين بدلاً من استدعاء مئات الآلاف دفعة واحدة، الأمر الذي يسمح بالحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية مع استمرار الضغط العسكري على أوكرانيا.
روسيا تتمسّك
بالتجنيد التعاقدي
وقال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، إن نحو 200 ألف متطوع وقعوا عقودًا للخدمة في القوات المسلحة الروسية خلال النصف الأول من العام، نافياً ما وصفه بـ»مزاعم» كييف بشأن استعداد موسكو لإطلاق موجة تعبئة جديدة لتعويض خسائرها في الجبهة.
وأكد ميدفيديف، خلال اجتماع بث عبر تطبيق «تلغرام»، أنه «لا توجد حاجة على الإطلاق إلى التعبئة»، معتبراً أن أوكرانيا تروج لهذه المعلومات في إطار «الحرب النفسية» ومحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي في روسيا، لا سيما قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر.
ويأتي هذا النفي في ظل استمرار حالة الشك داخل المجتمع الروسي، إذ سبق للكرملين أن استبعد تنفيذ تعبئة عسكرية في عام 2022، قبل أن يعلن لاحقًا تعبئة جزئية شملت نحو 300 ألف من جنود الاحتياط، وهو القرار الذي دفع مئات الآلاف من الروس إلى مغادرة البلاد.
وأضاف ميدفيديف أن القوات المسلحة الروسية استوفت احتياجاتها من الأفراد خلال النصف الأول من العام، مشيراً إلى أن نظام التعاقد وفر الأعداد المطلوبة دون الحاجة إلى اللجوء إلى إجراءات استثنائية.
وخلال السنوات الأخيرة، اعتمدت موسكو بصورة متزايدة على نظام التجنيد التعاقدي، عبر تقديم مكافآت مالية مرتفعة ورواتب ومزايا اجتماعية لاستقطاب المتطوعين، بينما تحدث بعض المجندين الذين أنهوا الخدمة الإلزامية عن تعرضهم لضغوط لتوقيع عقود والانضمام إلى الجيش بصورة دائمة.
كييف: موسكو
تتجنب كلفة التعبئة
في المقابل، يرى المحلل العسكري الأوكراني فيتالي بوبوفيتش أن تمسك موسكو برفض التعبئة يعكس رغبة واضحة في تجنب التداعيات السياسية والاجتماعية التي صاحبت تعبئة عام 2022، أكثر مما يعكس تفوقًا عسكريًا كاملاً.
وقال بوبوفيتش لـ«إرم نيوز» إن القيادة الروسية تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن الجيش الحالي قادر على إدارة العمليات العسكرية دون اللجوء إلى تعبئة جديدة قد تثير حالة من السخط الشعبي أو الاضطراب الداخلي.
وأوضح أن هناك فارقًا جوهريًا بين التعبئة العامة ونظام التعاقد، فالتعبئة توفر أعدادًا كبيرة خلال فترة قصيرة لكنها تفرض أعباء لوجستية ضخمة وتضم عناصر أقل تدريبًا ودافعية، بينما يتيح التجنيد التعاقدي تدفقًا مستمرًا لعناصر أكثر استعدادًا للقتال ويمكن دمجها تدريجيًا داخل الوحدات القتالية.
وأضاف أن موسكو تعتمد في استقطاب المتعاقدين على الحوافز المالية والمزايا الاجتماعية، مع تركيز خاص على الأقاليم ذات مستويات الدخل المنخفضة، وهو ما يساعدها على تقليل حجم الاعتراضات الداخلية المرتبطة بالحرب.
حرب
استنزاف طويلة
ويرى مراقبون أوكرانيون أن الأرقام التي تعلنها روسيا لا تعني بالضرورة استعدادها لشن عمليات هجومية واسعة النطاق، لكنها تمنحها القدرة على تعويض الخسائر البشرية والمحافظة على وتيرة العمليات العسكرية المستمرة، خصوصًا في جبهة دونباس.
ويعتقد هؤلاء أن الاستراتيجية الروسية تقوم على استنزاف القوات الأوكرانية تدريجيًا عبر هجمات تكتيكية متواصلة، مستفيدة من التفوق العددي والناري، بدلاً من السعي إلى تحقيق اختراقات كبيرة وسريعة على امتداد الجبهة.
وفي المقابل، تواجه أوكرانيا تحديات متزايدة في ملف التجنيد، مع تقارير تتحدث عن نقص في القوى البشرية، وارتفاع معدلات التهرب من الخدمة العسكرية، إضافة إلى حالات فرار ورشاوى لتجنب الالتحاق بالقوات المسلحة.
وشهدت روسيا في سبتمبر 2022 تعبئة جزئية شملت نحو 300 ألف من جنود الاحتياط، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في عام 2024 انضمام أكثر من 430 ألف متعاقد إلى القوات المسلحة، بينما تشير تقديرات غربية إلى انتشار ما بين 600 و700 ألف جندي روسي في مسرح العمليات داخل أوكرانيا.
ورفعت موسكو الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ عقود، في إطار دعم العمليات العسكرية وتوسيع الإنتاج الدفاعي.
ماذا بعد؟
ويرى محللون أن استمرار اعتماد موسكو على التجنيد التعاقدي يعكس قناعة بأن الحرب تتجه إلى مرحلة طويلة الأمد، وأن الحفاظ على تدفق منتظم للعناصر الجديدة أقل كلفة سياسيًا واجتماعيًا من العودة إلى التعبئة العامة.
وفي الوقت نفسه، يمنـح هذا النهج القيــــــادة الروســــــية مرونة أكبر في تعويض خسائرها الميدانية مع تجنب تكرار تداعيات تعبئة 2022، بينما يبقى تأثير هذه السياسة مرتبطًا بقدرة موسكو على الحفــــــاظ على معدلات التجنيد المرتفعة واستمرار الإنفاق العسـكري خلال المرحلة المقبلة.