أكاديمية الشعر تصدر ديوان «ظبي يهذّب صياده» لعبدالواحد عمران
أصدرت أكاديمية الشعر التابعة لهيئة أبوظبي للتراث ديوان «ظبي يهذّب صياده» للشاعر اليمني عبدالواحد علي ناصر عمران، الحاصل على المركز الثاني في الموسم الحادي عشر من برنامج «أمير الشعراء» عام 2025، ويأتي الإصدار الجديد ضمن جهود أكاديمية الشعر في دعم الحركة الشعرية العربية، وإتاحة مساحة للتجارب الإبداعية المتميزة، والعمل على توثيق نتاج الشعراء وتقديمه إلى القراء والباحثين، بما يسهم في إثراء المكتبة العربية، وتعزيز حضور القصيدة الفصيحة، وفتح آفاق أوسع أمام الأصوات الشعرية التي تجمع في تجاربها بين أصالة اللغة وتنوع الرؤى والأساليب.
ويكشف الديوان الذي صدر في 115 صفحة من القطع الصغير ويضم 38 قصيدة عن تجربة شعرية تمزج السيرة الذاتية بالمجاز، فلا يقدّم عبدالواحد عمران الوقائع بوصفها أحداثًا منفصلة، وإنما يعيد تشكيلها داخل بنية شعرية تلتقي فيها الذاكرة بالمكان، والفقد بالحب، والحياة بالموت. وتبدو الذات في كثير من النصوص وكانها تستعيد ما خسرته، وتحاول عبر القصيدة إعادة بناء علاقتها بالعالم. ومن هنا لا يبدو الحزن مجرد موضوع عابر، بل طاقة منتجة للصورة والمعنى، تتحول معها التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني أوسع عن القدرة على مواصلة الحياة بعد الفقد، وعن دور الشعر في ترميم ما يتشقق في الداخل. ويشكّل الماء أحد أبرز المحاور الرمزية في الديوان، إذ يخرج من دلالته المألوفة بوصفه أصلًا للحياة ليصبح في بعض النصوص قرينًا للفقد والموت، ولا سيما في القصائد المرتبطة برحيل الابن غرقًا. ويقيم الشاعر مفارقة دلالية مؤثرة حين يجعل الماء، الذي يمنح الأرض خصبها، قوةً قادرة أيضًا على انتزاع أحب ما يملكه الإنسان، كما في «الوداع الأخير» و«خصومة مع المياه». غير أن هذه الخصومة لا تظل نهائية، بل تتعرض للمراجعة داخل التجربة الشعرية نفسها، وخصوصًا في «ظبي يهذّب صياده»، حين يستعيد الماء وجهًا آخر، فتتجاور قسوته مع دلالات الحياة والانفتاح، بما يمنح الرمز امتدادًا نفسيًا وفنيًا يتطور من نص إلى آخر.
ويحضر المكان بوصفه عنصرًا بنائيًا لا خلفيةً محايدة، فاليمن والقرية وصنعاء وأبوظبي تتشكل في الديوان بوصفها فضاءات للذاكرة والهوية والتحول.
وتبدو أبوظبي، في القصيدة التي منحت الديوان عنوانه، مساحةً لإعادة اكتشاف الذات، لا مجرد مدينة يصفها الشاعر، إذ يمنحها قدرة مجازية على تهذيب «الصياد» وإعادة صياغة علاقته بالحياة والشعر، في مقابل القرية اليمنية التي يستعيدها من خلال روائحها وأشجارها وحقولها ومائها وناسها. وبهذا تتداخل الأمكنة في الوعي الشعري، فيصبح المكان امتدادًا للوجدان، وتتحول عناصره الطبيعية إلى إشارات تحمل ذاكرة الشاعر وتاريخه الشخصي وحنينه واغترابه.
وعلى المستوى الفني، يعتمد عمران على كثافة الصورة وتدوير مجموعة من الرموز الرئيسة عبر نصوص الديوان، مثل الظبي والماء والشجر والناي والحقل والمطر والبحر، بما يصنع شبكة داخلية من العلاقات بين القصائد. كما يستفيد من الموروث الشعري العربي ويعيد توظيف بعض مفرداته وصوره في سياقات معاصرة، كما في «طلل رقمي»، حيث ينتقل الطلل من فضائه الصحراوي القديم إلى المجال الإلكتروني، في مزاوجة بين الذاكرة التراثية وتحولات العصر. وتقوم لغته على حس بصري واضح وميل إلى أنسنة الأشياء ومنح الطبيعة صفات بشرية، وهو ما يجعل العالم المحيط شريكًا في التجربة النفسية لا مجرد موضوع للوصف، ويمنح الديوان قدرًا من التماسك الأسلوبي رغم تنوع موضوعاته وأشكاله.
ويمتلك عبدالواحد عمران مسيرة حافلة بالجوائز والتجارب الشعرية، إذ حصل على المركز الثاني في مسابقة «أمير الشعراء» في موسمها الحادي عشر عام 2025 في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما نال جائزة الشعر في دورة الدكتور عبدالعزيز المقالح التي نظمتها دار عناوين في جمهورية مصر العربية عام 2022، وجائزة رئيس الجمهورية للشعر في اليمن عام 2010، إلى جانب حصوله على المركز الثاني في مسابقة «صدى القوافي» للشعر الفصيح عام 2014، والمركز الرابع في المسابقة ذاتها للشعر الشعبي عام 2012.