إلى بكين بعد ترامب.. هل يُغلق بوتين الباب أمام «إغراءات» واشنطن؟

إلى بكين بعد ترامب.. هل يُغلق بوتين الباب أمام «إغراءات» واشنطن؟

بين أكثر من 40 لقاءً جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ، وأكثر من 20 زيارة أجراها بوتين إلى الصين مقابل 11 زيارة لشي إلى روسيا، تتحرك موسكو وبكين نحو محطة جديدة في علاقتهما الإستراتيجية مع الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي إلى الصين يومي 19 و20 أيار- مايو.
ووفقًا للمراقبين، تُحيط بالزيارة تداخل سياسي واقتصادي وعسكري، خاصةً أنها تأتي مباشرة بعد اختتام زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، تزامنًا مع الذكرى الـ25 لمعاهدة حُسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين.
الكرملين تحدث بوضوح عن أن زيارة الرئيس بوتين، ستشهد مباحثات حول تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الإستراتيجي إلى جانب توقيع إعلان مشترك وبحث ملفات التعاون الاقتصادي مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ.
وكشفت تصريحات دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملني، أن بوتين يعتزم مناقشة نتائج الحوار الصيني الأمريكي مباشرة مع شي جين بينغ، مؤكدًا أن بلاده تتابع الاتصالات بين واشنطن وبكين باهتمام وتحليل خاص. وتأتي هذه الزيارة الروسية، تزامنًا مع مؤشرات سياسية واقتصادية خرجت من زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الصين، خاصةً بعدما تحدث ترامب عن علاقات جيدة تزداد تحسنًا، وصفقات تجارية كبيرة.
وفي المقابل، أعلنت بكين تفاهمات جديدة مع واشنطن شملت إنشاء مجلس للتجارة وآخر للاستثمار، إضافة إلى الحديث عن شراء الصين 200 طائرة من شركة Boeing، وحصول شركات صينية على موافقة أمريكية لاستيراد رقائق H200 المتطورة من NVIDIA.
وأشار بيسكوف إلى أن الصين أصبحت تتصدر الاقتصاد العالمي وفق معيار تعادل القوة الشرائية بحجم يقدر بـ 44.3 تريليون دولار مقابل 32.3 تريليون للولايات المتحدة.
وجاءت تصريحات المتحدث باسم الكرملين، قبل أن يُعلن  بوتين قبل أيام من زيارته لبكين عن خطوة جوهرية وكبيرة جدًّا يجري التحضير لها في قطاع النفط والغاز، دون الكشف عن تفاصيل.
وخلال احتفالات يوم النصر الروسي، قال الرئيس بوتين إن الأزمة «تقترب من نهايتها»، مشيرًا إلى استعداده للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في دولة ثالثة، وكشف عن مناقشات أجرتها موسكو مع الصين والهند والولايات المتحدة حول احتمالات التصعيد والرد الروسي.
وتمنح الذكرى الخامسة والعشرون لمعاهدة حسن الجوار الزيارة بعدًا إضافيًّا، خاصة أن روسيا حريصة على تقديم العلاقة مع الصين باعتبارها شراكة طويلة الأمد وليست تحالفًا فرضته الحرب الأوكرانية أو العقوبات الغربية فقط.
وعن دلالات الزيارة، أكد ميرزاد حاجم، المحاضر في العلوم السياسية والباحث في مركز البحوث العلمية التطبيقية والاستشارية في موسكو، أن توقيت زيارة الرئيس بوتين إلى الصين يرتبط بحسابات جيوسياسية دقيقة، خاصة أنها تأتي بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين.
وفي تصريحات لـ»إرم نيوز» أشار حاجم إلى أن هذا التزامن لا يمكن اعتباره مسألة بروتوكولية خاصة أنه يعكس حراكًا روسيًّا محسوبًا، لتأكيد متانة الشراكة مع الصين في مواجهة التحركات الأمريكية الأخيرة.
وكشف حاجم أن زيارة ترامب إلى بكين حملت طابعًا تفاوضيًّا هدفه اختبار طبيعة العلاقة الروسية الصينية، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية الأمريكية والتهديد بفرض رسوم جمركية وعقوبات إضافية، لافتًا إلى أن موسكو تسعى من خلال التحرك السريع لبوتين إلى توجيه رسالة مباشرة بأن الشراكة مع الصين لا تخضع لضغوط أو مساومات.
وأضاف المحاضر في العلوم السياسية، أن الجانبين يركزان بصورة أساسية على ملفات الأمن الاقتصادي والمالي، خاصةً فيما يتعلق بتطوير آليات دفع وتسوية مالية بعيدة عن النظام المالي الغربي إلى جانب تعزيز التعاون في ملف الطاقة وتوفير إمدادات مستقرة للصين على المدى الطويل.
وأوضح الباحث في مركز البحوث العلمية التطبيقية والاستشارية في موسكو، أن مراكز التفكير الروسية تنظر إلى العلاقة مع الصين باعتبارها قاعدة لبناء نظام اقتصادي وأمني أوراسي أوسع، وليس مجرد تنسيق مرحلي مرتبط بالأزمات الحالية.
ولفت إلى أن القمة المرتقبة تستهدف تثبيت التوافق الروسي الصيني بشأن الملفات الدولية الكبرى، سواء في ما يتعلق بالتوازنات العالمية أو بمواقف البلدين من الضغوط الغربية.
من جانبه، أكد رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، أن زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى الصين في هذا التوقيت ترتبط بصورة مباشرة بزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى بكين، موضحًا أن موسكو وبكين تسعيان من خلالها إلى توجيه رسائل سياسية وإستراتيجية مرتبطة بطبيعة التوازنات الدولية الحالية.  وقال عاشور لـ»إرم نيوز» إن موسكو لعبت الدور الرئيسي في تحديد توقيت الزيارة وهو ما يعكس رغبة روسية في التأثير في أي رهانات أمريكية تتعلق بإمكانية تعديل الصين لمواقفها الإقليمية أو الدولية.
وشدد عاشور على أن الزيارة تؤكد استمرار التنسيق السياسي بين روسيا والصين باعتبارهما قوتين دوليتين تمتلكان مصالح مشتركة في عدد من الملفات. مشيرًا إلى أن هذا التنسيق يظهر في تبادل الدعم بين الجانبين، سواء في موقف موسكو من قضية تايوان أو في الموقف الصيني تجاه الحرب في أوكرانيا.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية، أن أحد الملفات المهمة المطروحة حاليًّا يتمثل في التحركات الأمريكية داخل مجلس الأمن بشأن مشروع قرار يتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لافتًا إلى أن واشنطن تسعى إلى توفير غطاء دولي لتحركات قد تستهدف إيران دون تحمّل تكلفة مباشرة.

 

 

وبين أن زيارة بوتين إلى الصين قد تشمل تنسيقًا روسيًّا مع الصين داخل مجلس الأمن لمنع تمرير أي مشروع قرار من هذا النوع باستخدام حق النقض «الفيتو»، خاصة في ظل التصعيد المرتبط بإيران وملف الملاحة البحرية.
وأشار عاشور إلى أن الخطاب الصيني تجاه الولايات المتحدة شهد تغيرًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة خاصة فيما يتعلق بملف تايوان، مؤكدًا أن بكين باتت تتحرك بثقة أكبر على الساحة الدولية وأن التصريحات المنتظرة عقب زيارة بوتين قد تعكس هذا التوجه بصورة مباشرة في مواجهة التحركات الأمريكية الأخيرة.


.