رئيس الدولة ونائباه يهنئون رئيس الجبل الأسود بذكرى استقلال بلاده
اختراقات جوية تهز الجناح الشرقي للناتو.. ولاتفيا تدفع الثمن سياسياً
دخلت دول الجناح الشرقي في حلف شمال الأطلسي، خلال الأيام الأخيرة، في حالة استنفار أمني وسياسي بعد سلسلة حوادث مرتبطة باختراقات جوية وطائرات مسيّرة عبرت الحدود في منطقة البلطيق. يأتي ذلك، بالتزامن مع تطورات سياسية متسارعة داخل لاتفيا انتهت باستقالة الحكومة عقب أزمة أمنية أثارت جدلًا واسعًا حول جاهزية الدفاعات الجوية في المنطقة.
من أزمة أمنية إلى سياسية
وتعود بداية الأزمة إلى مطلع مايو-أيار الجاري، عندما دخلت 3 طائرات مسيّرة المجال الجوي اللاتفي، في حادثة هي الثانية من نوعها منذ مطلع العام الجاري، وأعلنت السلطات في لاتفيا وأوكرانيا أن المسيّرات كانت، على الأرجح، أوكرانية ومتجهة نحو الأراضي الروسية قبل تعرضها للتشويش وانحرافها عن مسارها.
وأكدت وزارة الدفاع اللاتفية، أن البيانات الأولية تشير إلى أن المسيّرات كانت تتحرك من الجانب الأوكراني باتجاه روسيا، في حين تحدثت موسكو عن رصد مجموعة من الطائرات المسيّرة أثناء استهداف منشآت قرب سانت بطرسبرغ.
وسرعان ما تحولت الأزمة الأمنية إلى أزمة سياسية داخلية، مع إعلان أندريس سبرودس، وزير الدفاع اللاتفي، استقالته بعد تحميله مسؤولية الإخفاقات المرتبطة بحادث المسيّرات،
وبعد تعيين رئيسة الوزراء إيفيكا سيلينا وزيرًا جديدًا من خارج حزب «التقدميين»، سحب الحزب دعمه للائتلاف الحاكم، لتفقد الحكومة أغلبيتها داخل البرلمان.
وبعدها أعلنت سيلينا استقالتها خلال مؤتمر صحفي، مؤكدة أن أمن لاتفيا سيظل أولوية، وأدى القرار تلقائيًا إلى استقالة الحكومة بالكامل وفق الدستور اللاتفي، مع استمرارها في تصريف الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة.
وانتقدت سيلينا بطء تطوير قدرات مواجهة المسيّرات، مشيرة إلى أن خبرات أوكرانيا في هذا المجال لم تُطبق بالسرعة المطلوبة داخل البلاد.
وبعد الاستقالة، كلف الرئيس اللاتفي إدغارز رينكيفيتش النائب المعارض أندريس كولبيرغس بتشكيل حكومة جديدة، في وقت دخلت فيه ملفات الأمن الجوي والدفاع الحدودي صدارة المشهد السياسي في البلاد.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي، عقب لقائه الرئيس اللاتفي على هامش قمة بوخارست، أن كييف سترسل خبراء دفاع جوي إلى لاتفيا للمساعدة في حماية المجال الجوي وتبادل الخبرات الفنية، إلى جانب العمل على اتفاقية تتعلق ببناء نظام دفاع جوي مشترك.
وقال أندريه سيبيها، وزير الخارجية الأوكراني، إن بلاده تعتقد أن التشويش الإلكتروني الروسي لعب دورًا في تحويل مسار المسيّرات الأوكرانية، معلنًا استعداد كييف لتقديم الدعم الفني لدول البلطيق وفنلندا لمنع تكرار هذه الحوادث.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه دول البلطيق تحديات تتعلق بقدراتها الجوية المحدودة، إذ تعتمد إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، منذ انضمامها إلى الناتو عام 2004، على مهام الحماية الجوية التي ينفذها الحلفاء بشكل دوري.
وخلال الفترة الأخيرة، شاركت مقاتلات «إف-35» هولندية، وطائرات مراقبة إيطالية، وأنظمة باتريوت ألمانية، في مهام مرتبطة بحماية أجواء المنطقة من الطائرات المسيّرة والاختراقات الحدودية.
وبين الصاروخ «الضال» والانهيار الحكومي في لاتفيا، يبدو أن أزمة المسيّرات تربك الجناح الشرقي للناتو، وسط استنفار أوروبي لحماية الحدود، وتصاعد النقاشات داخل العواصم الأوروبية بشأن الدفاعات الجوية.
الاستعداد لصدام مباشر
وأكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية كارزان حميد، أن الدول الغربية لم تقدم، منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، مساعدات عسكرية حاسمة لكييف بالقدر الكافي لحماية نفسها، معتبرًا أن الغرب تعامل مع الحرب باعتبارها ساحة لاختبار الأسلحة والتقنيات العسكرية الروسية بصورة غير مباشرة.
وقال حميد في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، إن زيلينسكي حاول دفع الدول الأوروبية، خاصة أعضاء حلف الناتو، نحو الانخراط بصورة أوسع في المواجهة مع موسكو، دون وجود تصور واضح حول كيفية إنهاء الحرب أو احتواء تداعياتها.
وأضاف أن ما يجري في لاتفيا يعكس، وفق تقديره، عملية تموضع سياسي وعسكري غربي تستهدف تهيئة بعض دول أوروبا الشرقية لاحتمالات صدام مباشر أو غير مباشر مع روسيا.
وأشار حميد، إلى أن الدول الغربية تدفع بعض دول أوروبا الشرقية إلى الابتعاد عن موقعها الجيوسياسي التقليدي والانخراط في صراع يرى أنه يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها.
وأوضح أن الأسلحة المقدمة لأوكرانيا ليست من النوعية المتطورة التي تعتمد عليها الجيوش الغربية لنفسها، مستندًا إلى تقارير تحدثت عن استخدام مخزونات قديمة وأقل تأثيرًا في القتال.
وشدد حميد، على أن تقييم الحرب يجب أن يستند إلى التطورات الميدانية، في ظل ما وصفه بالتقدم الروسي في بعض الجبهات داخل خاركيف ودونباس، مضيفًا أن أوروبا تواجه، في الوقت نفسه، أزمات داخلية متصاعدة تتعلق بالطاقة والتضخم والانقسامات السياسية. وأعرب عن تشاؤمه بشأن مستقبل التكتل الأوروبي بصيغته الحالية، معتبرًا أن بعض الدول الأوروبية تتجه نحو التصادم مع روسيا دون تقدير دقيق لحسابات القوة أو الجاهزية العسكرية، في وقت لا تزال فيه أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية.
تحديات متزايدة
من جانبه، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. نبيل رشوان، أن ملف الطائرات المسيّرة أصبح من أكثر الملفات تعقيدًا في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، موضحًا أن التطورات الأخيرة كشفت عن تحديات عسكرية واقتصادية متزايدة تواجهها دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» في التعامل مع هذا النوع من السلاح.
وفي تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أشار رشوان إلى أن الأزمة الأساسية ترتبط بالفارق الكبير بين تكلفة الطائرات المسيّرة منخفضة السعر، وبين تكلفة الوسائل المستخدمة لاعتراضها، إذ قد تُستخدم صواريخ أو طائرات مقاتلة باهظة الثمن لإسقاط مسيّرات محدودة التكلفة.
وأضاف أن هذا الخلل في معادلة التكلفة يفرض ضغوطًا متزايدة على أنظمة الدفاع الغربية، ويجعل مواجهة هذا التهديد أكثر تعقيدًا من الناحيتين العسكرية والاقتصادية.
وأشار إلى أن مخاطر المسيّرات لا تتعلق فقط بعملية الاعتراض، بل تمتد أيضًا إلى احتمالات سقوط الحطـــــام فــــوق مناطق مدنية، وهو ما يزيد من حساسية القرارات الدفاعية داخل المدن الأوروبية.
وأضاف رشوان أن هذه التحديات دفعت عددًا من الدول إلى تطوير أنظمة دفاعية قصيرة المدى لاعتراض المسيّرات قبل وصولها إلى المناطق الحيوية.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة وأوكرانيا تتجهان نحو توسيع إنتاج الطائرات المسيّرة بمختلف أنواعها، مع دخول شركات خاصة على خط التصنيع، في وقت لوّحت فيه روسيا باستهداف الجهات المشاركة في تصنيع أو نقل تقنيات المسيّرات الأوكرانية.
ورغم ذلك، استبعد رشوان تحول الوضع إلى مواجهة مباشرة واسعة بين روسيا والناتو، معتبرًا أن أوروبا لا تزال بحاجة إلى وقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية بعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية.