رئيس الدولة ونائباه يهنئون رئيس الجبل الأسود بذكرى استقلال بلاده
«خفايا» قائمة المدعوين.. ماذا تريد موسكو وبكين من بعضهما؟
بعد أقل من أسبوع على زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية لعقد قمة جديدة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في تحرك يعكس عمق التحولات الجيوسياسية الجارية بين القوى الكبرى، ويثير تساؤلات متزايدة داخل أوروبا بشأن مستقبل التوازنات الدولية. لكن لفهم الرسائل الحقيقية وراء الزيارة، لا تبدو البيانات الرسمية وحدها كافية، إذ تكشف قائمة الوفد الروسي المرافق لبوتين الكثير عن طبيعة الأولويات الروسية والصينية في هذه المرحلة الحساسة. خلال زيارة ترامب إلى الصين، ضم الوفد الأمريكي عدداً من كبار التنفيذيين في قطاعي التكنولوجيا والمال، في إشارة إلى أن واشنطن ركزت على الملفات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية مع بكين.
أما بوتين، فقد وصل إلى الصين مصطحباً وفداً ضخماً ضم خمسة نواب لرئيس الوزراء وثمانية وزراء وحكام أقاليم ورئيس البنك المركزي الروسي، ما يعكس بوضوح أن موسكو تتعامل مع بكين باعتبارها شرياناً اقتصادياً واستراتيجياً أساسياً في ظل العقوبات الغربية المتواصلة بسبب الحرب في أوكرانيا.
أصبحت الصين خلال السنوات الأخيرة الشريك الاقتصادي الأهم لروسيا، خاصة بعد العزلة المتزايدة التي فرضتها العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي.
ووفقاً للتقديرات، تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز 200 مليار دولار لثلاث سنوات متتالية، بينما باتت موسكو تعتمد بشكل متزايد على الصين في مجالات الآلات الصناعية والإلكترونيات والسيارات والتقنيات المدنية.
كما ارتفعت التسويات التجارية باستخدام اليوان الصيني بشكل كبير، بعدما كانت تقل عن 2% في العام 2022، لتصل حالياً إلى ما بين 30 و40% من إجمالي التجارة الروسية، في مؤشر واضح على تسارع الابتعاد عن الدولار والأنظمة المالية الغربية.
وفي المقابل، استفادت الصين من الأزمة عبر شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة، حيث تستورد أكثر من 100 مليون طن سنوياً، ما يمنح بكين إمدادات طاقة ضخمة بأسعار تنافسية.
مشروع الطاقة الأهم
يشكل مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2» أحد أهم الملفات المطروحة على طاولة بوتين وشي جين بينغ.
فروسيا تسعى إلى تعويض خسائرها في السوق الأوروبية عبر زيادة صادرات الغاز إلى الصين، بينما تنظر بكين إلى المشروع باعتباره فرصة استراتيجية لتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة عبر خطوط برية بعيدة عن التهديدات البحرية والجيوسياسية.
لكن الصين، رغم استفادتها الكبيرة من النفط والغاز الروسيين، تحاول الحفاظ على توازن دقيق، إذ لا تريد المخاطرة بعقوبات غربية قد تضر بصادراتها الضخمة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.
ومن بين أبرز الشخصيات التي رافقت بوتين إلى بكين كان كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي وأحد أبرز المفاوضين مع واشنطن.
ويشير وجوده ضمن الوفد إلى أن موسكو تسعى أيضاً إلى استغلال النفوذ الدبلوماسي الصيني للمساعدة في تخفيف الضغوط المرتبطة بالحرب الأوكرانية، وربما دفع مسار تفاوضي مع الغرب عبر وساطة صينية غير مباشرة.
وتراقب روسيا عن كثب أي تقارب محتمل بين بكين وواشنطن، خشية أن يؤدي إلى تفاهمات قد تؤثر على مصالحها الاستراتيجية أو تضعف اعتماد الصين عليها.في المقابل، تنظر الصين إلى العلاقة الوثيقة مع روسيا باعتبارها ورقة ضغط مهمة في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصاً في ملف تايوان.
فمن خلال إظهار مستوى التقارب مع موسكو، تحاول بكين توجيه رسالة إلى إدارة ترامب مفادها أن استمرار الدعم العسكري الأمريكي لتايوان قد يدفع الصين إلى تعزيز تعاونها الاستراتيجي مع روسيا بشكل أوسع.
وتسعى الصين إلى الحد من مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، والتي تبلغ مليارات الدولارات سنوياً، عبر استخدام الورقة الروسية كعامل ضغط جيوسياسي على واشنطن.
تحالف مصالح أكثر من تحالف أيديولوجي
ورغم العلاقة الشخصية الوثيقة بين بوتين وشي، والتي تجلت في أكثر من أربعين لقاءً جمعهما خلال السنوات الماضية، يرى مراقبون أن العلاقة بين البلدين تقوم أساساً على تبادل المصالح أكثر من كونها تحالفاً أيديولوجياً كاملاً.
فروسيا تحتاج إلى السوق الصينية والطاقة والدعم المالي والتكنولوجي للبقاء في مواجهة العقوبات الغربية، بينما تستفيد الصين من الموارد الروسية الرخيصة ومن وجود شريك قوي يشاركها الرغبة في تقليص الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.
لكن في الوقت نفسه، تحرص بكين على عدم الانجرار الكامل إلى المعسكر الروسي، خوفاً من الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية الضخمة مع أوروبا والولايات المتحدة.
تعكس الزيارة المتقاربة زمنياً لكل من ترامب وبوتين إلى بكين حجم التحول الذي أصبحت تمثله الصين في السياسة الدولية، حيث باتت مركزاً لا يمكن تجاهله في أي معادلة تتعلق بالطاقة أو التجارة أو الحروب أو التوازنات العسكرية.
وبالنسبة لأوروبا، تبدو الرسالة أكثر تعقيداً، إذ تجد نفسها بين تحالف روسي صيني يتوسع تدريجياً، وضغوط أمريكية متزايدة، في وقت تعاني فيه القارة من تحديات اقتصادية وأمنية متصاعدة.
وفي ظل استمرار التقارب بين بوتين وشي، يبدو أن أوروبا مطالبة بإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي الجديد، الذي يتشكل بوتيرة متسارعة بين موسكو وبكين وواشنطن.