التسامح من منظور اقتصادي

10 مارس 2019 المصدر : عاصم بني فارس باحث اقتصادي أول – غرفة تجارة رأس الخيمة تعليق 167 مشاهدة طباعة
 بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة بوسم عام 2019 بعام التسامح مستهدفة نشر هذه الثقافة في شتى مناحي الحياة  على المستوى المحلي بالإضافة إلى المستوىين الإقليمي والعالمي أيضاً، حيث لم يعدهنالك شك في أن التسامح والانفتاح على مزيجٍ من الثقافات المتنوعة والمختلفة من مناطق عديدة في العالم يُضفي على المشهد الثقافي الكثير من العمق والتنوع ويُعطيه صفة العالمية بحيث يجمع من ثقافة كل دولة شيئاً مميزاً، وخصوصاً إذا كان هذا التنوع مبنياً على أسسٍ متينة تستقي من الثقافات الراقية والمفيدة وذات العمق الحضاري والإنساني، وتجعل منها خليطاً متجانساً يضم مهاراتٍ كثيرة قادمة من مختلف المجتمعات حول العالم، ويُعطي مزيداً من الخيارات للأفراد، ويزيد من تنوع الحياة، فعندما يُعطي للأفراد حرية التعبير عن أفكارهم ونشر ثقافاتهم وتبادل آرائهم مع غيرهم من الأشخاص، سواء الآراء السياسية أو الأدبية أو الاقتصادية أو الفنية أو الدينية أو غيرها فإن ذلك يُثري من وجهات النظر ويُشكل بؤرة لتبادل كل ما هو مفيد، كما يُساهم في تحقيق الديمقراطية بصورة راقية عبر وسائل التواصل ويزيد من الإبداع في مختلف مجالات الحياة.

تعتبر المجتمعات المتسامحة والمنفتحة والمتنوعة بيئات فضلى للنمو التجاري والنمو الاقتصادي فالمساواة في الحقوق ليست مجرد واجب أخلاقي وحسب بل لها آثار وأبعاد اقتصادية أيضاً، ولقد عكفت العديد من المعاهد العالمية مؤخرا على إعداد تقارير  توضح أن المدن الأكثر انفتاحا ووتنوعاً هي أفضل بيئات للازدهار والنمو الاقتصادي حيث يرتبط دمج الفئات المختلفة من المجتمع بمزيد من القدرة التنافسية ونتائج مالية أقوى وقد أكد على ذلك تقرير التنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في الفترة 2017-2018.

ففي الاقتصادات التي يتم فيها إنتاج أغلب ناتجها المحلي الإجمالي في المدن والمناطق الحضرية تخسر هذه الاقتصادات مكاسب اقتصادية ضائعة بسبب عدم تنفيذ استراتيجيات أكثرتسامحاً وانفتاحاً، وتختلف نسب هذه الخسارة بين الاقتصادات المتطورة مثل الاقتصاد الأمريكي والأوربي وباقي اقتصادات العالم وحسب درجة انفتاحها، حيث تخسر الدول ذات الاقتصادات الناشئة بنسب أكبر من الدول المتقدمة كون هذه الأخيرة قطعت شوطاً كبيرا في مجال دمج جميع فئات المجتمع المختلفةواحتوائها من خلال تنفيذ سياسات أكثر تسامحا وشمولية. ومما لا شك فيه أن القدرة على رعاية وتحفيز الابتكار أصبحت مؤخراً المحرك الرئيس للتنافسية في الثورة الصناعية الرابعة وعملت قدرة المجتماعات المختلفة على مواكبة وتيرة التغير التكنولوجي على تعزيزمكانتها في الاقتصاد العالمي، وقد أظهرت العديد من المؤشرات الاقتصادية العالمية ارتباطًا مباشرًا بين الاستراتيجيات المتضمنة التسامح والانفتاح وبين تطور إمكانات الابتكار، فالمدن التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى الانفتاح والشمولية من خلال دمج الفئات من الثقافات المختلفة كعامل دافع في إحداث التغيير حققت العديد من المكاسب على مستوى الابتكار وخاصة في مجال الأعمال.
 
هذا الدمح للفئات المختلفة من البشر يمكن تحقيقة من خلال بيئة أعمال أكثر عولمة وانفتاحاً حيث يطرأ التواصل المهني بين الثقافات المختلفة فيما بينها من خلال الشركات المتعددة الجنسيات وعمليات الدمج للفئات المختلفة داخل  الشركات، فمدراء الشركات يدركون اليوم الحاجة المتزايدة إلى مراعاة عوامل اختلاف الثقافات بهدف تحسين أداء الشركات، وتتباين هذه المراعاة من حيث اعتماد مواقف مهنية محايدة ثقافياً إلى التأكيد على خصوصية أعراق الموظفين المتخلفة وثقافتهم الخاصة، بحيث تسعى الشركة إلى ضمان إحساس الموظفين بتقدير زملائهم واحترامهم لهم الأمر الذي ينشئ منظمات أكثر تكاملاً عبر توحيد المهن  المختلفة والمستويات الإدارية الهرمية.

كما أن التنوع الثقافي أصبح هدفاً للعديد من الدراسات الخاصة بإدارة الشركات والأعمال التي تضطلع بقياس الصلة بين التنوع والأداء في السوق الذي تتزايد فيه المنافسة بشكل كبير حيث أكدت العديد من هذه الدراسات على وجود صلة إيجابية بين التنوع والانفتاح والأداء المالي والاقتصادي في الشركات حيث تعمل هذه الشركات على الترويج لما أصبح يطلق عليه بالذكاء الثقافي والذي يركز على ما يحتمل من إمكانات وفوائد تتأتى من تنوع ثقافات الموظفين بهدف زيادة الأبداع والابتكار وتحقيق مزيد من النجاح في العمليات المختلفة للشركة وخاصة في التسويق لفئات متباينة من المستهلكين ذوي الثقافات المختلفة، وكذلك من حيث القدرة على صنع القرارات الشاملة مع تزايد الصفة الدولية للشركات وتعرضها لمختلف البيئات، واختيار الموظفين وتدريبهم بقدر أكبر من العناية، وإنشاء هياكل للحوكمة وتقييم قنوات الاتصال بين هياكل ومخططات ثقافات الشركة المختلفة. 
 
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      4521 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      5218 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      4992 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      63612 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      56819 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      39988 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      39170 مشاهده

موضوعات تهمك