خالد بن محمد بن زايد يشهد حفل تخريج دفعة عام 2026 من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي
الصين تراهن على ألمانيا لإعادة ترتيب حضورها في أوروبا
تدخل الصين إلى العلاقة مع أوروبا من البوابة الألمانية، حيث يتقاطع الثقل الصناعي لبرلين مع حاجة بكين إلى إبقاء السوق الأوروبية مفتوحة أمام تجارتها واستثماراتها وقطاعاتها الصاعدة. واستعادت الصين العام الفائت موقعها كأكبر شريك تجاري لألمانيا، بعدما بلغ حجم التبادل السلعي بين البلدين 251.8 مليار يورو وفق مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، بما أعاد تثبيت العلاقة الصينية الألمانية في قلب الحسابات الاقتصادية الأوروبية، خصوصًا في قطاعات السيارات والكيماويات والهندسة والطاقة والتقنيات النظيفة.
السيارات الكهربائية تختبر العلاقة الصينية الأوروبية
في حين أعطت نتائج «بي إم دبليو» الأخيرة إشارة جديدة إلى عمق هذا الترابط، إذ أعلنت الشركة تراجع أرباحها قبل الضرائب في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 25 في المئة مع استمرار الضغط الناتج عن المنافسة في الصين وتقلبات الرسوم وتكاليف التحول الكهربائي. وجاءت هذه النتائج من داخل القطاع الذي تختبر فيه الصين وألمانيا حدود العلاقة الصناعية بين الطرفين، من السيارات التقليدية إلى المنصات الكهربائية والبطاريات وسلاسل التوريد.
وقبل ذلك بأيام دفع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو ملف السيارات الكهربائية إلى واجهة العلاقة مع أوروبا حين تحدث عن تقدم في المحادثات مع الاتحاد الأوروبي بشأن الرسوم المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية.
وجاء التصريح خلال لقائه رئيسة رابطة صناعة السيارات الألمانية هيلدغارد مولر؛ ما منح الإطار الألماني وزنًا إضافيًا في إدارة ملف أوروبي مركزي؛ لأن برلين تجمع بين قوة الصناعة وقلق الشركات من كلفة التصعيد التجاري وحاجة الاتحاد الأوروبي إلى ضبط المنافسة مع الحفاظ على استقرار سلاسل إنتاجه.
ألمانيا داخل
القرار الأوروبي الصيني
هذا ويتقدم الحضور الصيني في أوروبا من قطاع السيارات والتكنولوجيا الصناعية وسلاسل التوريد، حيث ترتبط قرارات بروكسل بحسابات الشركات الألمانية، وتتصل علاقة برلين مع بكين بصلب الاقتصاد الألماني، وتراهن الصين على هذا التشابك كي توسع هامشها الأوروبي وتحافظ على مسار تفاوضي مع بروكسل وتبقي الخلافات التجارية داخل قطاعات قابلة للتسوية، خاصة في المجالات التي ترسم موقع أوروبا في الصناعة المقبلة. بينما تكتسب ألمانيا قيمتها داخل الحساب الصيني من قدرتها على إدخال مصالح الشركات الكبرى في مسار القرار الأوروبي؛ فملفات الرسوم والتحقيقات التجارية والمعايير التنظيمية تمر عبر بروكسل، فيما تضع برلين داخل هذه الملفات ثقل التشغيل والاستثمار والتصدير والتحول الكهربائي؛ وهو ما يجعل العلاقة مع الصين جزءًا من حسابات الصناعة الألمانية قبل أن تتحول إلى بند في السياسة التجارية الأوروبية. في حين تحافظ بكين على القناة الألمانية نشطة داخل الملفات التي تديرها مؤسسات الاتحاد؛ لأن حضور الشركات الألمانية في الصين وحاجة الصناعة الألمانية إلى سلاسل توريد مستقرة يمنحان العلاقة الثنائية أثرًا مباشرًا في إيقاع الموقف الأوروبي، ويفتحان أمام الصين مساحة عمل داخل القطاعات التي يصعب على أوروبا إعادة ترتيبها بسرعة.
الصناعة تفتح
مسار الصين الأوروبي
وتثبّت الصين حضورها الأوروبي عبر ملفات قابلة للتفاوض، حيث تمنح السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والتكنولوجيا الصناعية لبكين أدوات عملية للحوار مع بروكسل وبرلين في وقت واحد، وتمنح الشركات الألمانية مساحة للدفع باتجاه حلول تحفظ السوق وتخفف كلفة الرسوم وتحد من اضطراب سلاسل الإنتاج.
كذلك يتراكم هذا الحضور عبر تفاصيل تجارية وصناعية، من عروض الأسعار الدنيا في ملف السيارات الكهربائية إلى الاستثمار في التصنيع المحلي داخل الاتحاد، وصولاً إلى شراكات التوريد التي تجعل العلاقة مع الصين جزءاً من البنية الصناعية الأوروبية المقبلة.
وتزداد أهمية القناة الألمانية مع انتقال العلاقة الصينية الأوروبية إلى ملفات المعادن الحرجة والبطاريات والطاقة النظيفة، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بخطط أوروبا الصناعية وبقدرة ألمانيا على حماية موقعها في التحول الكهربائي.
الصين بين المعادن
والصناعة الأوروبية
وناقش وزراء تجارة مجموعة السبع في باريس أمس الأول الأربعاء مسألة تأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة، في مؤشر إضافي إلى حضور الصين داخل الحسابات الصناعية الغربية، بما يجعل العلاقة معها جزءًا من إدارة الإنتاج والتكنولوجيا والكلفة ومستقبل الصناعة الأوروبية.
في المحصلة، تستطيع الصين عبر ألمانيا استعادة جزء من حضورها الأوروبي عندما تحافظ على العلاقة داخل مسارات التجارة والصناعة والتسويات القطاعية، وعندما تجعل برلين مركزًا عمليًا لإدارة التوتر بين حاجات السوق الأوروبية وشروط المنافسة داخل الاتحاد.
كما تمنح هذه الصيغة بكين قدرة على البقاء داخل القرار الاقتصادي الأوروبي من بوابة الشركات وسلاسل التوريد والاستثمار، وتمنح ألمانيا مساحة لحماية مصالحها الصناعية في الصين وأوروبا معًا، فتبدو عودة الصين إلى أوروبا عبر برلين مسارًا تراكميًا تحكمه الأرقام والعقود والتسويات، وتحدده قدرة الطرفين على إبقاء المصالح الصناعية أعلى حضورًا من خطاب التصعيد التجاري.