رئيس الدولة وأمير قطر يبحثان خلال اتصال هاتفي العلاقات الأخوية والتطورات الإقليمية
بعد فشل الحكومات التقليدية وتآكل الثقة السياسية
بريطانيا تتغير.. حزب الإصلاح يفرض نفسه في معاقل العمال والمحافظين
لم يظهر حزب الإصلاح البريطاني من فراغ، بل جاء كحلقة أخيرة في سلسلة طويلة من التمرد ضد المؤسسة السياسية البريطانية، يقودها بشكل محوري نايجل فاراج.
ومع نتائج الانتخابات المحلية في مايو 2026، تحول هذا التيار من حركة احتجاجية إلى قوة سياسية مهيمنة أعادت رسم خريطة السياسة في إنجلترا.
بحلول صباح 8 مايو 2026، كان المشهد السياسي قد تغير جذرياً؛ إذ حصل حزب الإصلاح البريطاني على أكثر من 1400 مقعد في المجالس المحلية، وسيطر على 13 سلطة محلية، بينما خسر حزب العمال أكثر من 1300 مقعد، وفقد السيطرة على 35 مجلساً، وتراجع حزب المحافظين بخسارة 552 مقعداً إضافياً.
ولو طُبقت النتائج على مجلس العموم، لحصل الإصلاح على 284 مقعداً، مقابل 110 للعمال و96 للمحافظين، بحسب «moderndiplomacy».
مشروع سياسي بديل
يرتبط صعود الحزب مباشرة بمسار نايجل فاراج السياسي، الذي قاد سابقاً حزب استقلال المملكة المتحدة، ثم لعب دوراً محورياً في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، الذي انتهى بنسبة 52% لصالح المغادرة.
بعد الاستفتاء، أعلن فاراج استقالته، لكن الأزمة السياسية التي تلت ذلك أعادت تشكيل مشروعه. ففي عام 2018، أسس حزب بريكست، الذي حقق فوزاً كبيراً في انتخابات البرلمان الأوروبي 2019، قبل أن يُعاد تحويله إلى «إصلاح المملكة المتحدة» بعد تنفيذ الخروج الرسمي من الاتحاد الأوروبي في يناير 2020.
ورغم تنحي فاراج عن القيادة المباشرة عام 2021، إلا أنه ظل مؤثراً في توجيه الخطاب السياسي للحزب الذي تبنى أجندة تشمل خفض الضرائب، وتشديد الهجرة، ومعارضة سياسات الحياد الكربوني.
تزامن صعود الإصلاح مع تراجع حاد في أداء الحكومات البريطانية المتعاقبة، خصوصاً حزب المحافظين بين 2010 و2024، حيث تتابعت الأزمات السياسية والاقتصادية.
ومع وصول ريشي سوناك إلى رئاسة الحكومة في 2022، واجهت البلاد تضخماً مرتفعاً، وأسعار فائدة قياسية، وأزمة مزمنة في الخدمات الصحية، إلى جانب فشل مستمر في خفض الهجرة.
كما بقيت خطة ترحيل المهاجرين إلى رواندا معطلة رغم تقديمها كحل رئيس لقضية الهجرة؛ ما عزز شعور الناخبين بعدم الوفاء بالوعود، خصوصاً بعد تغير خمسة رؤساء وزراء خلال ست سنوات.
وفي الانتخابات العامة 2024، حقق حزب العمال فوزاً كبيراً، لكن دون زخم شعبي قوي، فيما حصل حزب الإصلاح على 4.1 مليون صوت وخمسة مقاعد برلمانية؛ ما اعتُبر بداية إعادة تشكيل النظام السياسي.
أزمة حزب العمال
تولى كير ستارمر الحكم في يوليو 2024 بأغلبية كبيرة، لكنه واجه تراجعاً سريعاً في الشعبية نتيجة قرارات مثيرة للجدل، مثل إلغاء دعم وقود التدفئة للمتقاعدين، إضافة إلى قضايا تتعلق بالهدايا والتبرعات.
وبحلول صيف 2025، تقدم حزب الإصلاح في استطلاعات الرأي الوطنية، مدفوعاً بأزمة اقتصادية متفاقمة، نتيجة تداعيات الحرب في أوكرانيا واضطرابات أسواق الطاقة، ثم الحرب مع إيران التي زادت الضغط على الأسعار وسلاسل التوريد.
وفي الوقت نفسه، بقيت الهجرة القضية الأكثر تأثيراً في الرأي العام، مع استمرار عبور القوارب الصغيرة عبر القناة الإنجليزية، دون أن يقدم حزب العمال بديلاً مقنعاً لخطاب الإصلاح الصارم بشأنها.
جاءت انتخابات مايو 2026 لتؤكد التحول الكبير، حيث خسر حزب العمال معاقله التقليدية مثل سندرلاند، وسقطت مناطق محافظة مثل إسكس في يد الإصلاح.
وأظهر التصويت انهياراً في الولاءات التاريخية، خصوصاً في المدن الصناعية القديمة والمناطق الساحلية.
ويعود جزء كبير من هذا التحول إلى قضية الهجرة، التي أصبحت محور الخطاب السياسي لحزب الإصلاح، عبر وعود بتجميد الهجرة غير الضرورية ومعالجة طلبات اللجوء خارج البلاد، رغم الجدل القانوني والسياسي المحيط بها.
مستقبل النظام الحزبي
يرى مراقبون أن السؤال لم يعد ما إذا كان حزب الإصلاح قادراً على الحكم، بل متى وكيف سيصل إلى السلطة.
وتشير التوقعات إلى عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها حصول برلمان معلّق في 2029، أو تشتت أكبر في النظام الحزبي بين خمسة أو ستة أحزاب رئيسة.
كما يبرز احتمال صعود حركات منشقة مثل «استعادة المملكة المتحدة»، التي قد تؤثر على نتائج الانتخابات عبر تقسيم أصوات اليمين؛ ما قد يمنع الإصلاح من تحقيق أغلبية رغم تقدمه في الاستطلاعات. يواجه الحزبان التقليديان، المحافظون والعمال، أزمة هوية عميقة، إذ لم يقدما حتى الآن إعادة صياغة جذرية لعلاقتهما مع الناخبين. ويستفيد حزب الإصلاح من هذه الفجوة عبر خطاب يركز على أن الطبقة السياسية فقدت قدرتها على الاستماع والتمثيل الحقيقي.
ومع سيطرته على أكثر من 1400 مقعد محلي، بات الحزب يمتلك قاعدة حكم فعلية قد تُستخدم كمنصة نحو البرلمان.
وفي ظل هذا التحول، تبدو السياسة البريطانية أمام مرحلة إعادة تشكيل شاملة، حيث لم تعد الأحزاب التقليدية وحدها قادرة على تحديد اتجاه السلطة، فيما يواصل حزب الإصلاح ترسيخ حضوره كقوة مركزية في المشهد السياسي الجديد.