بلدية أبوظبي تواصل تطوير شبكة إنارة الطرق في جزيرة أبوظبي والبر الرئيسي بنظام LED
رسائل بوتين تصل واشنطن قبل كييف.. موسكو ترسم قواعد الصراع في المرحلة المقبلة
لم يكن خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام مجلس الدوما، مجرد مناسبة بروتوكولية لتقييم الأوضاع الداخلية، بل جاء – بحسب مصادر روسية مطلعة – في توقيت محسوب بعناية، ليعلن دخول موسكو مرحلة جديدة من إدارة المواجهة مع الغرب.
يأتي ذلك في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، وعودة الحديث عن مسارات تفاوضية تقودها الولايات المتحدة.
وكشف مصدر روسي مطلع على دوائر صنع القرار في موسكو، في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أن الخطاب جاء عقب سلسلة اجتماعات عقدها مجلس الأمن الروسي ومكتب الرئاسة خلال الأيام الماضية، خُصصت لتقييم الوضع العسكري والاقتصادي، ومراجعة السيناريوهات المحتملة خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح المصدر أن القيادة الروسية ترى أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد تُقاس فيها المكاسب بعدد الكيلومترات التي يتم السيطرة عليها، وإنما بقدرة موسكو على الصمود في مواجهة الضغوط الغربية، وفرض شروطها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
وأضاف أن الرسائل التي تضمنها خطاب بوتين لم تكن موجهة إلى الداخل الروسي وحده، بل حملت إشارات مباشرة إلى واشنطن والعواصم الأوروبية، مفادها بأن موسكو تعتبر نفسها قد تجاوزت المرحلة الأصعب منذ اندلاع الحرب، وأنها لن تدخل أي مفاوضات من موقع الطرف الباحث عن مخرج، وإنما من موقع القوة العسكرية والسياسية.
وأشار المصدر إلى أن الكرملين يعتبر الأشهر المقبلة «مرحلة حاسمة» لإعادة صياغة التوازنات الدولية، وأن الرهان الروسي لم يعد يقتصر على نتائج الحرب في أوكرانيا، بل يمتد إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بما يقلص النفوذ الغربي ويعزز مراكز القوى الصاعدة، وفي مقدمتها مجموعة «بريكس».
وفي هذا السياق، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه بنواب مجلس الدوما في دورته الثامنة، إن المرحلة الراهنة تمثل أحد أكثر المنعطفات حسماً في تاريخ روسيا، مؤكداً أن «مصير الشعب الروسي ومستقبله سيكونان على المحك».
وأضاف أن السنوات الخمس الماضية كانت «صعبة وحاسمة للغاية»، في إشارة إلى التحديات التي واجهتها روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وما تبعها من عقوبات غربية واسعة استهدفت الاقتصاد الروسي ومؤسساته المالية والتجارية.
وأكد بوتين أن العقوبات الغربية «حققت أرقاماً قياسية في عددها، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها»، معتبراً أنها ألحقت أضراراً باقتصادات الدول التي فرضتها أكثر مما أضرت بروسيا.
وأضاف أن الاقتصاد الروسي تمكن من التكيف مع الضغوط عبر إعادة توجيه صادرات الطاقة والمواد الخام نحو الأسواق الآسيوية والأسواق الناشئة، مؤكداً أن موسكو ستواصل تحقيق أهدافها في «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، ولن تتراجع عن المصالح الأمنية التي تعتبرها جوهرية.
كما اعتبر الرئيس الروسي أن العالم يشهد حالياً مرحلة إعادة تشكيل للنظام الدولي، قائلاً إن ملامح النظام العالمي الجديد تتبلور «في خضم صراع محتدم ومنافسة شرسة»، في إشارة إلى انتقال النظام الدولي تدريجياً من الأحادية القطبية إلى التعددية.
ورأى بوتين أن روسيا باتت جزءاً رئيسياً من هذا التحول، وأن المواجهة الحالية تتجاوز حدود أوكرانيا، لتصبح صراعاً حول شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، وهو ما يفسر – بحسب الكرملين – استمرار موسكو في تحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب، باعتبارها استثماراً استراتيجياً في مستقبل الدولة الروسية.
حرب وجودية
ورسائل إلى الغرب
ويرى المحلل الروسي ومدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة، فاسيلي كاشين، أن خطاب بوتين حمل ثلاث رسائل متوازية، سياسية وعسكرية واقتصادية، استهدفت الداخل الروسي، والعواصم الغربية، والدول التي تراقب موازين القوى الدولية.
وقال كاشين، في تصريحات لـ»إرم نيوز»، إن الرئيس الروسي لم يتحدث عن الحرب في أوكرانيا باعتبارها نزاعاً حدودياً أو خلافاً جيوسياسياً مؤقتاً، وإنما قدمها باعتبارها معركة تحدد مستقبل الدولة الروسية ومكانتها الدولية.
وأوضح أن وصف بوتين المرحلة الحالية بأنها «منعطف حاسم» يعكس قناعة راسخة داخل الكرملين بأن نتائج المواجهة مع الغرب ستحدد ما إذا كانت روسيا ستبقى قوة عظمى مستقلة القرار، أم ستخضع لمحاولات الاحتواء وإعادة تشكيل نفوذها السياسي والعسكري.
وأضاف أن القيادة الروسية تسعى من خلال هذا الخطاب إلى ترسيخ مفهوم «الصبر الاستراتيجي» داخل المجتمع الروسي، وإقناع المواطنين بأن الحرب قد تطول، لكنها تمثل استثماراً في الأمن القومي ومستقبل الدولة، وهو ما يفسر استمرار خطاب التعبئة السياسية والنفسية دون إعلان تعبئة عسكرية شاملة.
وأشار كاشين إلى أن بوتين حرص أيضاً على توجيه رسالة واضحة إلى النخب السياسية والاقتصادية الروسية، مفادها بأن مؤسسات الدولة نجحت خلال السنوات الخمس الماضية في تجاوز أصعب مراحل الضغوط الغربية، وأن الجبهة الداخلية ما زالت متماسكة وقادرة على تحمل أعباء المواجهة.
العقوبات لم تحقق هدفها
وفي الشق الاقتصادي، اعتبر كاشين أن الرئيس الروسي حاول تثبيت رواية الكرملين بشأن العقوبات الغربية، والتي تقوم على أن الإجراءات الأمريكية والأوروبية لم تحقق هدفها الرئيسي المتمثل في شل الاقتصاد الروسي أو دفع موسكو إلى تغيير سياساتها.
وأوضح أن روسيا تمكنت من إعادة هيكلة جزء كبير من تجارتها الخارجية، عبر تحويل صادرات الطاقة إلى أسواق آسيا، وفي مقدمتها الصين والهند، فضلاً عن توسيع العلاقات الاقتصادية مع دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما خفف من آثار فقدان السوق الأوروبية.
وأضاف أن الكرملين يعتبر هذه التحولات دليلاً على فشل سياسة العزل الغربية، مشيراً إلى أن موسكو نجحت كذلك في بناء منظومات مالية وتجارية بديلة، والاعتماد بصورة أكبر على العملات الوطنية في التبادل التجاري مع شركائها، بما قلل من تأثير القيود المفروضة على النظام المصرفي الروسي. وأكد كاشين أن بوتين أراد من خلال خطابه إيصال رسالة مفادها بأن «روسيا لم تعد تنتظر رفع العقوبات، بل تعمل على التكيف معها وبناء نموذج اقتصادي جديد يقلل من الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية».
لا تسوية قبل
تحقيق الأهداف
وعسكرياً، يرى كاشين أن أكثر الرسائل وضوحاً في خطاب بوتين تمثلت في التأكيد أن موسكو لن تقبل بأي تسوية سياسية لا تعكس الواقع العسكري على الأرض.
وقال إن تأكيد الرئيس الروسي مجدداً أن بلاده «ستحقق أهدافها» يعني عملياً أن الكرملين لا يزال متمسكاً بالشروط التي أعلنها منذ بداية الحرب، وفي مقدمتها ضمان أمن روسيا، ومنع توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً، والحصول على اعتراف بالوقائع الميدانية التي فرضتها القوات الروسية. وأضاف أن المؤسسة العسكرية الروسية تعتقد أن ميزان الوقت يعمل تدريجياً لصالحها، في ظل استمرار استنزاف القدرات العسكرية الأوكرانية، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية داخل عدد من الدول الغربية بشأن كلفة استمرار الحرب.
وأشار إلى أن موسكو تراهن على قدرتها الصناعية والعسكرية في إدارة «حرب طويلة الأمد»، مستفيدة من توسع الإنتاج الدفاعي، وزيادة الإنفاق العسكري، وإعادة هيكلة الصناعات المرتبطة بالجيش، وهو ما يمنحها – وفق رؤيتها – قدرة أكبر على مواصلة العمليات إذا تعثرت أي جهود سياسية.
في المقابل، يرى الكرملين أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تنطلق من الاعتراف بهذه المعطيات، لا من محاولة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، وهو ما يفسر استمرار الخطاب الروسي الرافض لأي ضغوط خارجية تدفع نحو تقديم تنازلات استراتيجية.
ورغم الإشارات الإيجابية المتبادلة خلال الأشهر الأخيرة بين موسكو وواشنطن بشأن ضرورة إنهاء الحرب في أوكرانيا وإعادة فتح قنوات الحوار، فإن التقديرات داخل دوائر صنع القرار الروسية تشير إلى أن الحديث عن انفراج وشيك لا يزال سابقاً لأوانه، في ظل استمرار التباين العميق حول شروط التسوية النهائية.
وكشف مصدر دبلوماسي روسي مطلع على دوائر التفاوض، في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أن الكرملين ينظر إلى الانفتاح الذي أبدته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتباره فرصـــــة لإعـــــادة صياغة العلاقة مع واشنطن، لكنه لا يعتبره مؤشراً على استعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات تمس جوهر الصراع.
وأوضح المصدر أن القيادة الروسية ترى أن أي حوار مع الإدارة الأمريكية يجب أن ينطلق من الاعتراف بالواقع العسكري الذي فرضته موسكو خلال السنوات الماضية، وأن العودة إلى خطوط ما قبل عام 2022 لم تعد مطروحة داخل الكرملين، سواء على المستوى السياسي أو العسكري.
وأضاف أن موسكو تتعامل بحذر مع تصريحات ترامب بشأن إنهاء الحرب، إذ تدرك أن الرئيس الأمريكي يواجه ضغوطاً داخلية من الكونغرس، وضغوطاً خارجية من الحلفاء الأوروبيين، تحول دون تقديم أي تنازلات يمكن أن تُفسر على أنها انتصار سياسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأشار المصدر إلى أن الكرملين لا يراهن على تغير الأشخاص في البيت الأبيض بقدر ما يراهن على تغير موازين القوى على الأرض، ولذلك يواصل العمل على تعزيز موقعه العسكري والاقتصادي بالتوازي مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن.
وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، سجل الاقتصاد الروسي نمواً بنحو 4.1% خلال عام 2024، قبل أن يتباطأ إلى نحو 1.5% في 2025 مع استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري وتشديد العقوبات الغربية، فيما تشير تقديرات عام 2026 إلى استمرار النمو بوتيرة محدودة مع بقاء الاقتصاد تحت ضغط التضخم ونقص العمالة والاستثمارات الأجنبية.