روسيا تحت الحذر الأقصى.. ماذا يعني تضييق الدائرة حول بوتين؟

روسيا تحت الحذر الأقصى.. ماذا يعني تضييق الدائرة حول بوتين؟


يثير تصاعد المخاوف الأمنية المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين تساؤلات متزايدة حول مستقبل النظام الروسي في حال غيابه المفاجئ، سواء عبر اغتيال أو انقلاب أو تطورات داخلية غير متوقعة. 
وبينما يرى البعض في الغرب وأوكرانيا أن رحيل بوتين قد يمثل نهاية لمرحلة من المواجهة والتوسع الروسي، تحذر تحليلات سياسية من أن غيابه المفاجئ قد يفتح الباب أمام فوضى أخطر داخل دولة نووية شديدة التسليح، بني نظامها بالكامل تقريباً حول رجل واحد.

دولة تدور حول مركز واحد
تشير تقارير استخباراتية أوروبية مسربة بحسب «نيوزويك» إلى أن بوتين بات يقضي وقتاً متزايداً داخل ملاجئ محصنة، وسط تشديد أمني واسع يشمل تقليص دائرة مساعديه، وتقييد تحركاته، وزيادة عمليات التفتيش والإجراءات الاحترازية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه الهجمات بالطائرات المسيرة داخل العمق الروسي، بما في ذلك محيط موسكو.
لكن الخطر الحقيقي، بحسب التحليل، لا يكمن فقط في التهديدات الخارجية، بل في طبيعة النظام الروسي ذاته، الذي أعاد بوتين تشكيله خلال أكثر من ربع قرن ليصبح قائماً على مركزية السلطة الشخصية.
 فقد تحول الرئيس الروسي إلى المرجعية النهائية في إدارة التوازنات بين أجهزة الأمن والنخب السياسية والاقتصادية، بحيث أصبحت معظم القرارات الجوهرية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بموافقته.
هذا النموذج جعل مؤسسات الدولة أقل قدرة على العمل بشكل مستقل، وأكثر اعتماداً على دور بوتين باعتباره الحكم النهائي بين مراكز القوى المختلفة. ونتيجة لذلك، فإن أي غياب مفاجئ له قد يخلق فراغاً سياسياً وأمنياً واسعاً يصعب احتواؤه بسرعة.
ويشير التحليل إلى أن الحرب في أوكرانيا زادت من هشاشة هذا التوازن، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وظهور توترات داخلية بين أجهزة الأمن والجيش والحرس الوطني الروسي، فضلاً عن صراعات خفية بين شبكات النفوذ داخل الدولة.

صراع الخلافة 
رغم وجود شخصيات بارزة يُنظر إليها كخلفاء محتملين لبوتين، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن أياً منها لا يمتلك القدرة نفسها على إدارة التوازنات الدقيقة داخل النظام الروسي.
وتشمل الأسماء المطروحة شخصيات مثل أليكسي ديومين، الحارس الشخصي السابق لبوتين، وسيرغي كيرينكو، المشرف على السياسة الداخلية والدعاية، إضافة إلى ديمتري باتروشيف، نجل نيكولاي باتروشيف، أحد أبرز رموز أجهزة الأمن الروسية.  كما يبرز دور شخصيات أمنية ثقيلة مثل ألكسندر بورتنيكوف ونيكولاي باتروشيف كصناع قرار قادرين على التأثير في مسار الخلافة.
لكن التحليل يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط باسم الخليفة، بل بطبيعة النظام نفسه، الذي يعتمد على شبكة معقدة من أجهزة الاستخبارات والجيش والحرس الرئاسي والأوليغارشية الاقتصادية، وجميعها مرتبطة بمصالح متشابكة ومتنافسة.
وفي حال وفاة بوتين، يتوقع أن يتولى رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين الرئاسة مؤقتاً وفق الدستور، إلا أن السلطة الفعلية ستبقى رهينة صراع محتمل بين مراكز القوى المختلفة داخل الدولة. 
ويُحذر من أن هذا الصراع قد لا يكون ســــــياسـياً فقـــــط، بــــل قـد يأخذ طابعاً أمنيــــــــاً وعسكرياً، خاصة في ظـــــل وجود فصائل مســــــــلحة وشــــــبكات ولاء متنافسة. ويستحضر التحليل تجربة تمرد مجموعة فاغنر بقيادة يفغيني بريغوجين في يونيو 2023، عندما تمكنت قواته من السيطرة على منشآت عسكرية والتقدم نحو موسكو قبل التراجع المفاجئ، باعتبارها دليلاً على هشاشة الولاءات داخل النظام الروسي وإمكانية تحول الصراعات الداخلية إلى تهديد مباشر للدولة.
روسيا ما بعد بوتين
يرى التحليل أن غياب بوتين المفاجئ قد لا يؤدي إلى اعتدال السياسة الروسية كما يأمل البعض، بل ربما يفتح المجال أمام مرحلة أكثر عدوانية واضطراباً.  فمعظم الشخصيات المطروحة داخل النخبة الروسية تتبنى بالفعل رؤية قومية متشددة تقوم على التوسع الجيوسياسي والعداء للغرب، ما يعني أن «البوتينية» قد تستمر بأوجه جديدة وربما أكثر تشدداً.
وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل الظروف الداخلية الصعبة التي تواجهها روسيا، بما في ذلك الخسائر البشرية الضخمة في الحرب الأوكرانية، والتضخم المرتفع، والعقوبات الاقتصادية، واستنزاف الموارد. 
كما أن عودة أعداد كبيرة من الجنود والمحاربين القدامى قد تضيف عناصر جديدة من العنف وعدم الاستقرار داخل المجتمع الروسي.
وتشير تقديرات غربية إلى أن عدد القتلى والجرحى الروس في الحرب قد بلغ مستويات هائلة، ما يجعل تأثير الحرب ممتداً إلى قطاعات واسعة من المجتمع.  وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من تصاعد الجريمة المنظمة والعنف المرتبط بالمحاربين العائدين، خاصة مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتنامية.
ويحذر التحليل من أن روسيا التي تعاني من صراعات نخبوية، واقتصاد متعثر، ومؤسسات أمنية متنافسة، قد تصبح أكثر صعوبة في التنبؤ بسلوكها في مرحلة ما بعد بوتين، خصوصاً إذا اندلع صراع داخلي على السلطة داخل دولة تمتلك ترسانة نووية ضخمة. وفي هذا السياق، يرى التحليل أن الغرب يجب أن يتعامل مع احتمال غياب بوتين ليس باعتباره لحظة انتصار سهلة، بل كمرحلة شديدة الحساسية تتطلب استعداداً استراتيجياً يشمل التعامل مع مخاطر التصعيد النووي، واستمرارية العقوبات، واحتمالات الانقسام داخل مؤسسات الدولة الروسية.
ويخلص التقرير إلى أن موت بوتين قد ينهي حكم رجل واحد، لكنه لن ينهي النظام الذي بناه، بل قد يطلق سلسلة من الأزمات الجديدة داخل روسيا وخارجها، في مشهد قد يكون أكثر خطورة وتعقيداً من المرحلة الحالية نفسها.