سياسة المنافسة في الأسواق الرقمية

5 نوفمبر 2019 المصدر : عاصم بني فارس باحث اقتصادي أول بغرفة تجارة رأس الخيمة تعليق 493 مشاهدة طباعة
لا شك أن الأسواق الرقمية تتمتع بخصائص وميزات تختلف عن باقي الأسواق التقليدية على الرغم من أنها تعتبر تطوراً طبيعيا لأشكال الأسواق القديمة وبالتالي ما زالت بعض العوامل الرئيسية تلعب الدور الأساسي في تحركات السوق ومن أهمها قوى السوق ووضع المنافسة وسياستها في هذه الأسواق، وقد تخلق بعض ميزات الأسواق الرقمية تحديات للمنافسة وبالأخص الانتشار الواسع لتأثيرات الشبكات الاجتماعية،  وخاصة عندما تعتمد القيمة الاقتصادية للمنتج أو السلعة التي يحصل عليها المستهلكون من منتج ما على عدد المستهلكين  الذين يستخدمون نفس المنتج  كما هو الحال غالبًا في القطاع الرقمي، فهنا تصبح الأسواق أكثر ميلا إلى التركز من حيث بنيتها الهيكلية ونعني هنا أن عدد اللاعبين الرئيسيين في السوق يكون قليل جداً وقد لا يتجاوز عدد أصابع اليد في كثير من الأحيان،  هذا يعني بالضرورة أن يصبح التنافس بين هؤلاء اللاعبين على السيطرة على السوق نفسه وليس المنافسة داخل السوق في محاولة لتحييد الفاعلين في الأسواق الرقمية وتحييد أي قوة سوقية أخرى، وهذا هو الحافز الرئيس الذي يُلجِئ اللاعبين الرئيسيين في السوق إلى القيام بعمليات استحواذ استباقية، أي الاستحواذ على الوافدين إلى السوق بهدف تقليل المنافسة المستقبلية المحتملة. 
 
من جهة أخرى يجب الأخذ بعين الاعتبار وبشكل جوهري عند تقييم الأسواق الرقمية ومدى التركز ا لاقتصادي فيها وقوى السوق “ العرض والطلب” كذلك طبيعة السوق نفسة حيث أننا نجد العديد من المنتجات والخدمات تقدمها المنصات الرقمية بشكل مجاني للمستهلكين فيما أصبح يدعى بالأسواق ذات الاهتمام أو بمعنى آخر المنصات والشبكات التي تحظى بمتابعين ومهتمين بأعداد كبيرة والتي أصبحت تشكل أسواقًا خصبةً لتسويق المنتجات المختلفة بحيث يحظى المستهلكون على هذه المنصات بخدمات إعلانية وخصومات وطرق دفع مرنة وغيرها من الخدمات المجانية إذا أتم عمليات الشراء من خلال هذه المنصات في حين يدفع مزودو المنتجات التي يتم استهلاكها مبالغ طائلة في سبيل تسويق منتجاتهم عبر هذه المنصات والشبكات، بل إن هذه الشبكات والمنصات أصبحت تحوي في داخلها على أسواق فرعية متمثلة في مجموعات محددة من أصحاب الاهتمام الواحد والذين يشتركون بخصائص وتفضيلات خاصة تمييزهم عن غيرهم والتي قد يدفع مزودو الخدمات والمنتجات التي تهم هذه المجموعات مبالغ طائلة في سبيل التمكن من عرض مشاهدات حصرية  على هذه الفئات لمنتجاتهم أكثر مما قد يدفعونه لإعلانات على شبكات ومنصات متعددة المتابعين والوسائل الإعلانية، بهذه الطريقة تقوم شبكات التواصل والمنصات الرقمية بعملية تحويل المحتوى الاجتماعي إلى مورد مالي تجني منه أرباحاً طائلة أوصلت بعض المنصات إلى المراكز الأولى عالميا من حيث القيمة السوقية لهذه المنصات والشركات، وهنا تبرز أهمية تصنيف الاهتمامات لدى المستهلكين والتعرف على مجموعات الاهتمام والمتابعين لتفضيلات محددة في سوق السلعة أو المنتج .
 
وعلاوة على ما سبق قد يزداد الأمر تعقيداً عند محاولة تعريف الأسواق لتحديد مدى أثر الممارسات السوقية وتبعاتها على المنافسين والمستهلكين عندما ترتبط منتجات الأسواق الرقمية والمنصات الاجتماعية باستخدام عميق لبيانات المستخدمين الشخصية وتفضيلاتهم والتعامل معها من خلال البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي بتحويل هذه البيانات إلى بيانات إحصائية وتشكيل مجموعات اهتمام جديدة  من المتابعين وبالتالي المستهلكين بحيث يتم توجيه إعلانات دعائية محددة إلى هذه المجموعات، بل يمكن توجيه إعلانات محددة للمستهلكين بشكل فردي عند تواجدهم في مناطق جغرافية محددة أو عند استخدامهم أو قراءتهم لمنتجات أو مواضيع محددة توحي بالاهتمام في مجال ما تفسره برامج الذكاء الاصطناعي وتعتبره فرصة تسويقية تبث من خلالها إعلانات دعائية لمنتجات قد تهم المستهلك في تلك اللحظة أو في ذلك الموقع، كما أن الأمر لا يتوقف فقط عند هذا الحد بل أصبحت هذه المنصات والشبكات تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والاقتصاد السلوكي عن طريق تحليل تفضيلات الأفراد في الشبكات والمنصات وتوجيه وكزات سلوكية استهلاكية توجه المستهلكين ومتابعي المنصات والشبكات نحو تصرفات استهلاكية محددة تؤدي إلى التوجه نحو استهلاك منتجات من علامات تجارية محددة حتى دون التصريح المباشر باسم هذه المنتجات أو العلامات التجارية، فمجرد تشكيل حالة ذهنية بحاجة المستهلك لتلك المنتجات وعرض اسم المنتج أو العلامة التجارية في مكان ما على الشبكة متاح أمام المستهلك أو المتابع سوف يؤدي ذلك وبنسبة عالية إلى خلق طلب على هذا المنتج أو العلامة التجارية، وهنا تتجلى قوة هذه المنصات والشبكات والتي لم تعد فقط قادرة على تلبية الطلب الموجود في السوق أصلا وإنما أصبحت تخلق الطلب على المنتجات من تلقاء نفسها باستخدام التقنيات التي تم ذكرها سابقاً، الأمر الذي يعتبر تغييرا جذريا في مفهوم القوة السوقية للشركات وطريقة قياس مدى هذه القوة عند التعامل مع الممارسات السوقية  التي قد تكون مخالفة لقواعد المنافسة وقوانينها في الأسواق الرقمية.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      11918 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      2769 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      13056 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      11563 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      71445 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      64464 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      42709 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      41749 مشاهده

موضوعات تهمك