علل الشلل والفشل ومفتاح الحلّ في تونس

5 فبراير 2013 المصدر : •• الفجر – خيرة الشيباني: تعليق 430 مشاهدة طباعة

 

في رسالة استقالة الوزير-الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي    
 
في خطوة نادرة وسط الصخب السياسوي السائد والخطاب التبسيطي حدّ الابتذال في كثير من الأحيان، يخرج الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي عن السرب، وفي رسالة تمهيدية لاستقالة معلنة من منصبه كوزير مستشار مكلف بالثقافة لدى رئيس الحكومة التونسية، خرج ليشرح للتونسيين واقع المشهد السياسي في بلادهم وذلك بمنطق المفكر ممّا يجعل من رسالته مشروعا يرتقي باليات تشخيص الراهن التونسي، ويقترح حلولا تتصدى للازمة في العمق، وتتجاوز وصفات الإدارة الجزئية والسطحية والظرفية للقائم من الأزمات. 
ولا شـــك أن هذه الرســــالة تكتسي أهميّة خاصة، فعدى كونها رســـالة اســـتقالة ، إن لم نقل إعـــلان فشل، صادرة عن مفكر وأســتاذ الفلســـفة بالجامعة التونسية وصاحب العديد من المؤلفـات الفكريــة والفلسفية، فهي تصدر أيضا عن مفكـــر راهن على الفعـــل السياسي المباشر، وراهن أساسا على عملية التقاء الإسلاميين والعلمانيين حول مشروع ديمقراطي واحد في وقت اعتبر فيه كثيرون استحالة هذا اللقاء، ورفضـوا الانخراط في هذه التجربة، بل هذه المغامرة السـياسية والفكرية على حدّ السّواء، في حين أصرّ أبو يعرب المرزوقي على أنّ هذا الرهان إمكان صعب يستحق خوض غماره ورفع تحدياته.
ان هذه الرسالة التي فيها من الشجاعة الفكرية والسياسية ومن العمق، حتى وان اختلفنا مع الرؤية التي تحكمها، ما يجعل منها مادة للنقاش والجدل لأنها لا تكتفي بتشخيص واقع الحال في تونس وتعريته، وإنما يتجرا صاحبها على تقديم حلّ حضاري ومستقبلي للمأزق القائم والذي هو ليس وليد اللحظة بل صاحب نشوء دولة الاستقلال في تونس وعملية بنائها نقاش يجب ألا يتوقف عند سطح حدث الاستقالة أو التأويل السياسوي التبسيطي لها، وإنما يغوص، كما هي رغبة أبو يعرب المرزوقي من خلال المقال المصاحب لها، في أعماقها وفي سيل الأسئلة التي تثيرها، خاصة أنّ هذه المقاربة هي بمثابة دعوة إلى أن يطغى العقل على القلب حتى وان أشقى صاحبه كما يقول احد الفلاسفة.
تكشف هذه الرسالة أن أزمة التحوير الوزاري في تونس أعمق من أن تختزل في حرب مواقع ومناصب بين الفرقاء السياسيين أو اقتسام غنيمة كما يتداول، وإنما هي ترجمة لمأزق تاريخي ولعلل سياسية وأيديولوجية مزمنة يظل جذرها ومرجعها واحد حتى وان تعددت تمظهراتها في هذه الحقبة السياسية او تلك من تاريخ تونس إنها المصالحة الغائبة بين أيديولوجيات متنافرة ومتصارعة لم تبحث يوما عن العوامـــــل المشـــتركة التي قد تجمع بينهــــا بما يعفي تونس خطر الانقسام والحروب الأهلية، ويحسم مسالة طبيعة السلطة فيها ويرسي مبدأ التداول عليها دون حدوث شرخ هام.
ينطلق أبو يعرب المرزوقي في رسالته من اعتبار أن يظل تحوير الحكومة سبعة أشهر كاملة خاضعا للوعد والوعيد بين القوى السياسية المشاركة في الحكم أولا وبين القوى المشاركة في المعارضة ثانيا ثم بينهما كلتيهما ليس من الأمور المعتادة في سياسة الدول ذات النخب المدركة لمسؤولياتها وخاصة في ظرف أشبه ما يكون بظرف الحرب الأهلية المترددة بين الحرارة والبرودة.
ويرى أن التردد في مثل هذه الحالات يجعل عمل الحكومة دون عمل تسيير الأعمال من حيث مستوى الفاعلية الانجازية انطلاقا من قناعته بأن تسيير الأعمال يكون متحررا من الوعد والوعيد في حين أن حكومة لا يدري أعضاؤها ما ينتظرهم تكون محكومة بأكبر عوائق الفعل الناجز أعني بقانون الانتظار الدائم للمجهول. 
ويرفض أبو يعرب المرزوقي أن يقتصر تفسير مأزق التحوير الوزاري على القول بأنّه نابع من شخصية رئيس الحكومة أو من شخصية رئيس حركة النهضة أو عن الصراع بينهما فضلا عما ينبع من شخصية الرئيسين الآخرين وخياراتهما (رئيس الدولة ورئيس المجلس التأسيسي) رغم انه لا ينفي ما لهذه الوجوه من تأثير كبير لعله من أهم أعراض الساحة السياسية التونسية الحالية .
وانطلاقا من هذا الرفض، يدعو الفيلسوف التونسي إلى البحث في العلل العميقة التي تقف وراء المأزق الراهن في تونس منطلقه في ذلك الثبات على حرية الموقف والنقد وعدم التردد في الإعلان الصريح عن موقفه قبل أن يغادر المسار السياسي ليعود إلى عمله السابق كما أشار.  
عرض أبو يعرب رأيه في شكل تساؤل عن علل مثل هذا الشلل في الوضع السياسي التونسي، شلل الحكم والمعارضة المؤلفين، حسب رأيه، من قوى سياسية ليست في أغلبها أحزابا بل هي بالأحرى تجمعات التقى أفرادها على عجل بعد الثورة سعيا منهم لغزو سدة الحكم الظاهر بتحالف مضمر عند أغلبها مع محركي سدة الحكم الباطن التي لا تزال مؤثرة في التلاعب بمحددات الفاعلية السياسية . 
واقتصر رأيه على الحاكمين عامة وحركة النهضة خاصة مؤجلا الكلام عن المعارضة التي يعتبرها ليست في أحسن حال من الثالوث الحاكم وأنه لو لم يحلّ التجمع الدستوري الديمقراطي الحزب الحاكم سابقا لما وجدت هذه الأحزاب أو لبقيت مجرّد نوادي كما كانت.
ويرى المفكّر أبو يعرب المرزوقي انه لو تخلت حركة النهضة عن معركتها الزائفة مع الباجي قايد السبسي، رئيس الحكومة السابق وزعيم حركة نداء تونس، الذي يحاول استرداد تركة التجمع منهم لأصبحت المعركة بين هذه القيادات جميعها والسبسي مشهدا بين ديكة طامحة لرئاسة الجمهورية ولعادت المعادلة إلى ما يسمّيه حدّيها البسيطين ويعني بهما:
 
1 - حزب الأصالة السوية التي أدرك أصحابها الحاجة إلى المصالحة مع قيم الحداثة أي الثعالبية المحدثة نسبة إلى الزعيم عبد العزيز الثعالبي احد رموز حركة التحرر الوطني وحركة الإصلاح التونسية ومؤسس الحزب الدستوري التونسي في عشرينات القرن الماضي.
 
2 - وحزب الحداثة السويّة التي أدرك أصحابها الحاجة إلى المصالحة مع قيم الإسلام أي البورقيبيّة المحدثة نسبة إلى الزعيم الحبيب بورقيبة الذي انشق عن حزب الثعالبي وأسّس الحزب الدستوري الجديد في أربعينات القرن الماضي وقاد عملية بناء الدولة التونسية الحديثة.
 
ويشير أبو يعرب المرزوقي إلى أن الناظر في مجريات أحداث السدة الظاهرة من الحكم يبدر إلى ذهنه وفي المقام الأول حال الثالوث الحاكم (حركة النهضة الإسلامية وحزب المؤتمر وحزب التكتل العلمانيان) الذي أصيبت أشباه أحزابه الثلاثة بالانقسام الحاد حتى وإن لم تظهر التشققات إلا في الحزبين الأضعف ( المؤتمر والتكتل).
ويصف المرزوقي هذا الثالوث الحاكم بأنه أشباه أحزاب مثلها مثل الأحزاب التي تتألف منها المعارضة لأنها عديمة المضمون السياسي المحدد أي أن العامل الشخصي مسيطر عليها سيطرة تكاد تجعل دور العمل المؤسسي فيها لا يكون إلا عملا شكليا لا يمكن البناء عليه لفهم مجريات الأحداث السياسية فيها مؤكدا أن  ما يبدو من ديمقراطية فيها ليس ديمقراطية بل هو فوضى الصراع الناتج عن عدم تحديد المهام بين المؤسسات .
ويستدل أبو يعرب على ما ذهب إليه من غياب مفهوم المأسسة داخل تلك الأحزاب بالإشارة إلى أن العودة الدائمة إلى المستويات الأدنى من المؤسسات (مثال ذلك مجلس الشورى في النهضة) يعني أن المؤسسات الأعلى (مثال ذلك المكتب التنفيذي فيها) ليس لها القدرة على الحسم لما بين أفرادها من عدم الانسجام أو لغياب الرؤية الواضحة للسياسات المتبعة أو لعدم وجود القيادات المسموعة .
وحول ظاهرة الانقسام الداخلي لمكونات الثالوث الحاكم في تونس، يرى المفكر التونسي أن هذا الانقسام الذي خرج للعلن في الحزبين الحليفين للنهضة له ما يناظره فيها وإن ظل خفيا لأنه لم يعلن بعد.ويؤكد أبو يعرب أن الانقسام داخل حركة النهضة  آت لا ريب فيه وقد يحصل حتى قبل مؤتمرهـــا الموعــود في سنة 2014 . 
ويشير إلى أن هذا الانقسام في الثالوث الحاكم يبدو في ظاهره معلولا بالخلاف حول الخيارات السياسية لكنه في حقيقته من مخلفات المعركة التي دارت حول اقتسام النفوذ في الدستور الصغير وحول اقتسام الحقائب خلال تكوين الحكومة الأولى بعد الانتخابات. والأخطر من ذلك حسب أبو يعرب المرزوقي أن التعليل بالخيارات لاحق وهو تبرير بالمزايدات أكثر منه تعليل بالمواقف المبدئية .
وفي تفكيكه لحالة الانقسام القائمة في أحزاب الترويكا الحاكمة، يشير ابو يعرب الى أن أول الانقسامات ظهر في حزب المؤتمر( حزب الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي) واصفا هذا الحزب بأنه  خليط لا يقبل التعريف الدقيق بنسب سياسي محدّد وانه حزب عديم الجمهور قبل الثورة ومن ثمة فان جمهوره من تركة التجمع حتما .
ويشير إلى انه لم يبق منتسبا إليه من القيادات إلا من فضلهم رئيسه( المنصف المرزوقي) عند اختيار ممثليه في الحكومة أي أولئك الذين يعتقد أنهم أقرب إلى تدعيم موقفه في الحلف مع النهضة من أجل الحصول على كرسي الرئاسة . ويتوقع ابو يعرب انه حتى هؤلاء فإنهم مرشحون لانقسام لأن تطعيم قيادات الحزب بالمستشارين لا يمكن أن يرضي المؤسسين من القيادات ليخلص إلى أن بذرة الانقسام زرعت في حزب المؤتمر مرة أخرى.
ثاني الانقسامات ظهر في حزب التكتل بزعامة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي . وهذا الحزب، حسب ابو يعرب المرزوقي، خليط كذلك لا يقبل التعريف الدقيق بنسب سياسي محدد. وهو أيضا عديم الجمهور قبل الثورة ومن ثم فجمهوره من تركة التجمع كذلك. وهو حزب لم يبق منتسبا إليه من القيادات إلا من فضلهم الرئيس ليس للإدراج في الحكومة فحسب بل للاستعداد للانتخابات المقبلة مع التوجه خاصة إلى الدعم المنتظر من حليف خارجي مع تهميش مؤسسي الحزب وقدمائه .
أما ثالث الانقسامات الذي لم يحصل بعد بالفعل ولكنه حاصل بالقوة فهو في حركة النهضة وهي الحزب الوحيد، من وجهة نظر المفكر أبو يعرب المرزوقي، الذي له جمهور حقيقي حتى وإن تدعم بما ورثه من التجمع كذلك .
وهو مثل الحالتين السابقتين، يقول أبو يعرب، متعلق بسهم بعض الأفراد والتيارات في الحكم ولا علاقة له بمستقبل الحركة ولا بمستقبل تونس ولا خاصة بمستقبل المشروع الإسلامي لأننا لم نر معركة أفكار ولا معركة مشروعات بل هي بالأحرى ذات صلة بماضي الحركة .
وفي تطرقه لحركة النهضة، بدا أبو يعرب المرزوقي أكثر صرامة في تشخيصه ونقدا ولعل ذلك يعود إلى أنها الحزب القاطرة في التجربة والحزب الاغلبي الذي يتحمل مسؤولية نجاح التجربة وفشلها وعلى أدائه يتوقف مستقبلها بل مستقبل تونس في مرحلة انتقالية صعبة وحرجة ستحدد صورة ذاك المستقبل ومفرداته.
وفي هذا السياق يرى المفكر أبو يعرب المرزوقي أن الصراع داخل حركة النهضة صراع يتعلق خاصة باستراتيجيه البقاء في الحكم بعد الترضيات التي أسكتت خلافات المشاركة فيه خلال تأليف الحكومة الأولى .
و يرى انه كان بالإمكان تفهّم هذه الصراعات لو كانت الحكومة ليست مؤقتة وليست لمرحلة انتقالية إلا أنّ بلوغها هذه الدرجة من الحدة جعلت الكثير يتساءلون عما تخفيه من احتماء أصحابها بالكراسي. فالتشبث بها يقول ابو يعرب رغم الفشل الذريع في ما أنيط بعهدتهم من مسؤولية لا يمكن أن يفهم بغير الخوف من شيء خفي لعل الأيام تكشف عنه لاحقا .
ويخلص إلى أن الخلافات عموما في حركة النهضة ليست متعلقة بخيارات أساسيّة من جنس ما يعتبره شروط الاختبار الأساسي ذي المستويين التاليين : المستوى الأول: كيف يمكن للحركة خاصة أن تعمل بإستراتيجية تحرّر الساحة من الصراع الزائف بين التصوّرين المدني والديني لمؤسسات الدولة خلال عمليتي الانتقال الديمقراطي وبناء الجمهورية الثانية:
 
1 - كتابة الدستور المدني بحق أعني الكتابة المتحررة من الخلط بين ديناميتين ذاتي الإيقاع المختلف: ديناميّة آليات الحكم السياسية وديناميّة غايات القيم المجتمعية.
 
2 - تكوين المؤسسات التي تضمن تحقيق الانتقال أعني الانتخابات والإعلام والعدالة الانتقالية بالمعايير الدولية ذات المرجعية الحديثة.
 
المستوى الثاني: كيف يمكن للحركة عامة أن تثبت أن الإسلام السياسي يمكن أن يكون ديمقراطيا فتقدّم العلاج السياسي الذريعي في بناء الدولة وتترك الخلافات العقدية والإيديولوجية للدينامية الاجتماعية الثقافية ذات الإيقاع المختلف عن الإيقاع السياسي .
وشرط النجاح في هذا كما يطرحه المفكر التونسي، هو الفصل بين الحزب والحركة الفصل الذي قال انه اقترحه على القيادات قبل المؤتمر لكنه كان صيحة في واد. ومعنى ذلك أن السعي إلى غزو مؤسسات الدولة لإفقادها طابعها المدني والمحايد هو الخطر الأول والأخير الذي يهدد التجربة .
ويرى ابو يعرب المرزوقي، أن مشكل المشاكل هو عدم انتباه قيادات حركة النهضة إلى هذين الشرطين في نجاح ما فرض عليها من تجربة أمام أهل القرار في المعادلة الدولية.
ويشير إلى أن قيادات النهضة لم تتوصل إلى ما ينبغي استنتاجه من هذا التحدي المتعلق بالموقف من الإسلام السياسي وبعلاقته بشروط تحقيق مطالب الثورة المباشرة تحقيقا يمكّن الحصول على تأييد الرأي العام المحلي بصورة تجعل النجاح في المرحلة الانتقالية طريقا سالكة للنجاح في الانتخابات المقبلة ومن ثم جعل الإسلام السياسي مقبولا دوليا بحكم تحقيقه المصالحة بينه وبين الديمقراطية والدولة المدنية .
ويخلص المفكر ابو يعرب المرزوقي إلى انه يكاد يجزم  بأن التجربة تتجه نحو الفشل لما ترتب على هذا المنطق القاصر على فهم أسس الشرعية التي تنبني عليها الأحزاب ذات المشروعات بعيدة المدى:
- فانتخاب القيادات لا يحكمه منطق الكفاءة بل يحكمه منطق الولاءات وصراع الأجنحة التي هي بالأساس بنت مخلفات الماضي أكثر مما هي بنت إستراتيجية المستقبل.
- لذلك كان توسيع القاعدة السياسية للحزب وتجديد القيادات شبه مستحيل بحكم التوزيع الداخلي للمهام السياسية
- ولما كانت هذه المهام هزيلة بمقتضى فهمهم للسياسي فهما يقصره على معناه المبتسر في إدارة الحكم المباشرة
- آل ذلك إلى ما نشهده من ضمور مطلق للبعد الفكري والثقافي في أفعال الحكومة والحركة
- وكل ذلك علته انعدام الخيال التنموي والتبعية شبه المطلقة للآني والعجلة في السعي للسيطرة على أدوات الحكم المباشرة بدلا من العمل بعيد المدى في بناء أسس الشرعية التي هي ثقافية وتربوية قبل أن تكون اقتصادية وحكمية .
والحصيلة المرّة لكل هذا، كما يحددها أبو يعرب المرزوقي، تتمثّل في أنّ الأحزاب الحاكمة الثلاثة لا تحكم إستراتيجيتها الشروط الضرورية لتحقيق أهداف الثورة بل إشكالية الزعامة فيها جميعا معتبرا أن أهداف الثورة لم تعد المحرك الحقيقي للفاعلية السياسية في الحكم وفي المعارضة على حد سواء بل هي تحولت إلى مجرد شعار يوظف في خدمة غرض واحد هو معركة الزعامة واقتسام السلطة في الحكم لا غير .
إن مشكل المشاكل من وجهة نظر المفكر-الوزير المستشار تكمن في عدم توفق الحكومة إلى إستراتيجية تمكّن من الجمع الناجح بين مجالي فعل يصعب الجمع بينهما خاصة إذا كانت القيادة فاقدة لخصال القيادة الحازمة في إدارة شأن الحكم والحسم في شروط النجاح فيهما وفي شرط الجمع الناجح بين المعركتين من خلال وصلهما وصلا يستند إلى ما بين الإنجاز فيهما من علاقة تجعل التقدم في إحداهما شرطا في الأخرى وخاصة بالنسبة إلى منظور العالم الغربي في تقويم سياسة حزب ذي مرجعية إسلامية .
والمعركتان كما يحددهما هما: معركة الانتقال الديمقراطي ومعركة الاستجابة لمطالب الثورة. معتبرا أن نجاح هذا الحزب ذي المرجعية الإسلامية في الانتقال الديمقراطي يمكن أن يقلب الأحكام المسبقة ضده بسبب الموقف من مرجعيته أن يقلبها إلى صالحه لأنه يكون بذلك يوطد ما بدأ يصبح مقبولا لدى أهل القرار في الغرب من إمكانية تحقيق المصالحة بين الإسلام والديمقراطية . والنجاح عندئذ يرجع الثقة فيمكّن من تحقيق السلم الاجتماعية شرطا في توفير التمويل الكافي للاستثمار الممكن من الاستجابة لمطالب الثورة وتحديدا مسألتي البطالة والجهات المحرومة علتي الثورة المباشرتين .
أخيرا، وفي عمليّة تقييم لنتائج المرحلة، يرسم الفيلسوف التونسي ابو يعرب المرزوقي صورة سلبية للأداء، ويرى أن الحصيلة هي أن كل المعارك الزائفة التي خاضتها الحكومة علّتها أن حركة النهضة لم تكن على بيّنة من طبيعة التحدي الخارجي والداخلي ولم تختر المنهجية التي تمكنها من تحقيق هذه الشروط .
فحركة النهضة، حسب أبو يعرب، قد تصرفت بصورة جعلتها تخطئ في اختيار الحلفاء والتمييز بين الأصدقاء والأعداء ظنا من قادتها أن تونس يمكن أن تحكم بغير الشرط الضروري والكافي أي تحقيق الصلح بين عاملي تاريخها السياسي الحديث كله .
وهذا الصلح كما يطرحه أبو يعرب، يتم بين وجهي حزب حركة التحرير من بداية القرن العشرين: القديم أو الثعالبية التي أدرك محييوها ضرورة الصلح مع قيم الحداثة والحديث أو البورقيبية التي أدرك مواصلوها ضرورة الصلح مع قيم الإسلام فآل الأمر إلى انفراط عقد الحليفين اللذين لا يمكن أن يعتبرا حزبين بل هما ناديان يجمعان بين قلة من النخب المترددة بين الولاءات لهاتين القوتين اللتين تمثلان آثار الفصام الحاصل من الصدام الحضاري بين الأصالة والحداثة الفصام الذي لا بد من علاجه لتحقيق السلم المدنية . ومن دون ذلك ستفشل الثورة العربية في تونس ومصر .
وهذه هي الفكرة المحورية لهذا المقال: المصالحة بين تيارات الإسلام السياسي والحداثة والتيارات الحداثية والإسلام وإنهاء الفصام بينهما.
فكرة تطرح العديد من الأسئلة لعل أبرزها: إلى أي مدى يمكن للحركات ذات المرجعية الدينية أن تقبل بمدنيّة الدولة وتتقبّل الفكر النقدي والحيويّة التي يفرضها؟ وإلى أي مدى يمكن المراهنة على أن يكون الإسلام السياسي طرفا في معادلة تجسيم الديمقراطية والتداول على السلطة وقد بينت الأحداث أنها مجرد مصعد للوصول إلى الحكم فقط والاستئثار به لاحقا؟ وإلى أي مدى يمكن ترجمة هذه الفكرة النبيلة إلى واقع سياسي لا يقبل المراجعة والانتكاس بمعنى ما هي حدود الواقعية والطوباوية في مثل هذا الطرح؟ وهل للمفكر النقدي والعقلاني مكان في مثل هذه الحركات وأي مستقبل لما يطرحه من رؤى وأفكار إستراتيجية جديدة في بنية حزبية قديمة اعتادت على فهم سطحي وبراغماتي للفعل السياسي يشغلها الراهن واستعجال النتائج على كل ما هو استراتيجي وثقافي وطويل المدى؟
الم يقل المفكر أبو يعرب المرزوقي أنّ مقترحاته كانت صرخة في واد أوليس في استقالته من الفعل السياسي المباشر وعودته إلى دوره الأصلي جزء من الإجابة !
إنها فصل جديد من محنة المثقف العربي حين يخوض غمار السياسة ولكنها تظل محنة ولاّدة للجديد من الأفكار قد تجد طريقها للتجسيد في مرحلة ما محنة تترجم سطوة السائد والمستهلك وغربة المثقف في بيئة يبدو أنها تستطيب إعادة إنتاج التخلف وتكرار طرح نفس الأسئلة والأجوبة حتى وان كانت المرحلة غير المرحلة! 
ما يحسب للمفكر أبو يعرب المرزوقي رفضه التفكير والتفلسف في الغرف المغلقة، وإصراره على معانقة حرارة الواقع ومواجهة تعقيداته حتى وان خذلته حقائق ذاك الواقع واكتوى بنيران التجربة.
الم يحذّرنا احد المفكرين من انه علينا أن لا نرى الواقع كما نحن أو كما نحب أن نراه وإنما نراه وفق فيلسوف آخر كما هو!
وتلك على ما يبدو محنة الفيلسوف الحالم بمدينته الفاضلة!.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      15443 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      6041 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      16523 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      12651 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      74761 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      67627 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      43705 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      42692 مشاهده