رئيس الدولة يقدم التعازي إلى أمير قطر بوفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
فاسيلي توفان.. تكنوقراطي يقود مولدوفا في مرحلة حاسمة وملفات شائكة
دخل اسم فاسيلي توفان، إلى واجهة المشهد السياسي في مولدوفا بعد تكليفه بتشكيل الحكومة من قبل الرئيسة مايا ساندو، في خطوة تعكس رغبة السلطة في الحفاظ على زخم مشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عقب الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء السابق. ويمثل ترشيح توفان انتقالًا من مرحلة إدارة الإصلاحات السياسية إلى مرحلة التركيز على الملفات الاقتصادية والمالية، في وقت تواجه فيه مولدوفا تحديات متشابكة تشمل تباطؤ النمو، وارتفاع كلفة الإصلاحات المطلوبة أوروبيًا، واستمرار الضغوط الروسية السياسية والاقتصادية.
نموذج إداري.. ينتمي فاسيلي توفان إلى جيل من الخبراء الاقتصاديين الذين برزوا في القطاع المالي قبل دخولهم العمل الحكومي. وبنى مسيرته المهنية في مجالات التمويل والمصارف والاستثمار، حيث عمل لسنوات في مؤسسات مالية محلية ودولية، واكتسب خبرة في إدارة الإصلاحات الاقتصادية وتطوير بيئة الأعمال. ويُنظر إليه داخل الأوساط الاقتصادية باعتباره من الشخصيات التكنوقراطية التي تفضل الحلول العملية على الخطابات السياسية، وهو ما جعل اسمه حاضرًا في أكثر من مرحلة داخل دوائر صنع القرار الاقتصادي في مولدوفا. كما شارك في مبادرات هدفت إلى تحديث النظام المالي، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز معايير الحوكمة والشفافية، وهي ملفات أصبحت من الشروط الأساسية التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي في الدول المرشحة للعضوية.
ولا يُعد اختيار توفان مفاجئًا بالنسبة للمراقبين، إذ تربطه علاقة عمل طويلة بالرئيسة مايا ساندو وبالفريق الإصلاحي المحيط بها. وتعتمد ساندو منذ وصولها إلى الرئاسة على شخصيات ذات خلفيات تقنية واقتصادية أكثر من اعتمادها على السياسيين التقليديين، في محاولة لتقديم نموذج إداري يركز على الإصلاح المؤسسي ومحاربة الفساد وتسريع التقارب مع أوروبا. كما ينسجم توفان مع توجهات حزب العمل والتضامن الحاكم، الذي جعل من الاندماج الأوروبي وإصلاح مؤسسات الدولة محورًا رئيسيًا لبرنامجه السياسي منذ وصوله إلى السلطة. وبالنسبة للرئيسة، فإن المرحلة الحالية تتطلب حكومة قادرة على إدارة الملفات الاقتصادية الحساسة بنفس كفاءة إدارة الملفات السياسية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة قد تحدد مستقبل المشروع الأوروبي في البلاد.
مهمة معقدة.. إذا نال توفان ثقة البرلمان، فسيواجه مجموعة من أكثر الملفات تعقيدًا منذ سنوات، إذ سيكون عليه الحفاظ على الاستقرار المالي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومواصلة إصلاح القضاء والإدارة العامة، إلى جانب تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي ضمن مسار الانضمام. كما سيواجه تحدي احتواء الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة، مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم الإضرار ببرامج التنمية، وهي معادلة يصعب تحقيقها في اقتصاد صغير يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأوروبي. ويضاف إلى ذلك ملف أمن الطاقة، الذي تحول منذ الحرب الروسية الأوكرانية إلى أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لمولدوفا، بعدما سعت الحكومة إلى تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية وتنويع شركائها الأوروبيين.
اختبار الانضمام.. تسعى السلطات المولدوفية إلى تحقيق تقدم سريع في مفاوضات الانضمام، واضعة عام 2028 هدفًا سياسيًا لإحراز خطوات كبيرة على طريق العضوية الأوروبية. ولهذا السبب، يُنظر إلى الحكومة الجديدة باعتبارها فريقًا مسؤولًا عن تنفيذ أكبر برنامج إصلاحي في تاريخ البلاد. ويُنتظر من توفان تسريع تنفيذ التشريعات المطلوبة أوروبيًا، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز استقلال المؤسسات، ورفع كفاءة الإدارة العامة، بما ينسجم مع المعايير الأوروبية.
وتعد هذه الملفات معيارًا سيحدد تقييم بروكسل لمدى جاهزية مولدوفا للانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في مفاوضات العضوية.
ضغوط روسية.. في المقابل، لن يكون المسار الأوروبي معزولًا عن الحسابات الجيوسياسية. فروسيا لا تزال تعتبر مولدوفا إحدى ساحات التنافس مع الغرب، سواء من خلال النفوذ الاقتصادي، أو ملف الطاقة، أو إقليم ترانسنيستريا الانفصالي الذي يستضيف وجودًا عسكريًا روسيًا منذ سنوات. كما تواجه الحكومة تحديات مرتبطة بالحملات الإعلامية والتأثيرات السياسية التي تتهمها كيشيناو بأنها تستهدف تقويض المشروع الأوروبي وإضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية. ومن المرجح أن يصبح توفان أحد الوجوه الرئيسية في إدارة هذا التوازن بين مواصلة الإصلاحات الأوروبية، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتجنب انزلاق البلاد إلى مواجهة مع موسكو.
يعكس ترشيح فاسيلي توفان توجهًا واضحًا نحو منح الأولوية للإدارة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، باعتبار أن نجاح المشروع الأوروبي سيُقاس بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات ملموسة وتحسين الأداء الاقتصادي.
وسيحدد تصويت البرلمان أولًا، ثم قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق نتائج سريعة، ما إذا كان توفان سيصبح المهندس الاقتصادي لمرحلة اقتراب مولدوفا من الاتحاد الأوروبي، أم أن الضغوط الداخلية والخارجية ستجعل مهمته أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه عند بداية الطريق.