رئيس الدولة ورئيس وزراء سلوفاكيا يؤكدان أهمية العمل على ترسيخ أسباب الأمن والاستقرار الإقليميين
فنزويلا تنسحب من «الجنائية» .. «سيادة قضائية» أم خطوة تقارب مع واشنطن؟
أثار قرار كاراكاس المفاجئ بالانسحاب من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية تساؤلات عديدة في الأوساط السياسية والقانونية المحلية والإقليمية، التي تباينت قراءاتها لخلفيات الخطوة بين الأسباب الداخلية الفنزويلية، وسعي حكومة ديلسي رودريغيز إلى الاقتراب من واشنطن وتل أبيب.
وأوردت مصادر إعلامية فنزويلية عديدة أن وزارة الخارجية سلّمت إخطارًا رسميًا للجهات المعنية في لاهاي، برفض كاراكاس القاطع لولاية المحكمة الجنائية الدولية.
وبررت حكومة ديلسي رودريغيز هذه الخطوة بتعرّضها لما وصفته بـ»الانحراف المنهجي والمسيس»، مشيرة إلى أن الأدوات القضائية الدولية باتت تُستخدم سلاحًا جيوسياسيًا من قبل قوى غربية لهدم السيادة الوطنية والتدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا.
ويأتي هذا الإعلان بعد أشهر طويلة من الشد والجذب القانوني والدبلوماسي بين فريق المدعي العام للمحكمة، كريم خان، والسلطات في كاراكاس، سواء حكومة نيكولاس مادورو أو ديلسي رودريغيز، بشأن جدية وفاعلية التحقيقات المحلية التي تجريها السلطات القضائية الفنزويلية في الملفات المرتبطة بقمع الاحتجاجات والانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، في قضايا الاحتجاز والإيقاف وأحكام السجن ضد المعارضين والناشطين السياسيين والمدنيين في البلاد.
وعلى الرغم من محاولات كاراكاس إثبات كفاءة نظامها القضائي الداخلي وأهليته لحسم ملفات القضايا ضمن معايير المحاكمة العادلة والشفافة، فإن لاهاي استمرت في مسارها التحقيقي في الملفات ذاتها، ما يشير إلى انعدام ثقتها القضائية في منظومة العدالة الفنزويلية.
وأثار هذا الأمر غضب كاراكاس، التي اختارت إنهاء مسار التعاون مع لاهاي عبر الانسحاب الكلي من نظام روما الأساسي، الذي يشير إلى أن قرار الانسحاب لا يصبح فاعلًا ونافذًا بشكل فوري، بل يتطلب مدة زمنية محددة لا تقل عن سنة كاملة من تاريخ الإخطار الرسمي.
وفي هذه الزاوية القضائية، يؤكد الفقهاء الدوليون أنه على الرغم من انسحاب كاراكاس من المحكمة الجنائية الدولية، فإن الأخيرة تحتفظ بولايتها القضائية على أي جرائم وقعت خلال فترة عضوية الدولة في المحكمة.
بل يشير بعض فقهاء القانون إلى أن الولاية القضائية للمحكمة تبقى نافذة إلى ما قبل تفعيل الانسحاب، أي بعد عام من تاريخ الإخطار، ما يعني أن المظلة القانونية للتحقيقات الراهنة ستظل قائمة على الجرائم الســــابقة، والتـــــي قــد تحدث خلال الفترة الحالية أيضًا.
خطوة تقارب مع واشنطن
وبناءً على ما سبق، يعتبر الخبراء والمتابعون للشأن الفنزويلي أن الخطوة لا يمكن تفسيرها فقط بالجوانب القضائية، ذلك أن الانفكاك الفنزويلي عن المرجعية القانونية للمحكمة الجنائية لن يحصل قبل عام كامل.
ويعتبرون، في المقابل، أن الخطوة سياسية بثوب قضائي، أي أن حكومة ديلسي رودريغيز ترسل برسائل تقارب جديدة إلى واشنطن، وبدرجة ثانية إلى تل أبيب، عبر هذا النأي الواضح والصريح عن المحكمة الجنائية.
حيث تعرف العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية وواشنطن صدامًا مباشرًا، بلغ حد تسليط إدارة ترامب عقوبات اقتصادية ودبلوماسية ضد مسؤولين وقضاة في المحكمة الجنائية الدولية.
ولئن كانت الإدارات الأمريكية السابقة تكتفي بالتحفظ على بنود نظام روما الأساسي المنظم للمحكمة، وترفض خضوع مواطنيها أو منتسبي قواتها المسلحة لولاية قضائية خارجية، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب أعلنت ما يمكن تسميته بـ»الحرب الاقتصادية والدبلوماسية» على أبرز مسؤولي الجنائية الدولية.
ويعود التصعيد الأمريكي إلى فتح لاهاي تحقيقات رسمية حول انتهاكات وممارسات مزعومة نُسبت إلى منتسبي الجيش الأمريكي وكوادر الاستخبارات في أفغانستان، وإصدارها مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع غالانت، على خلفية اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان في فلسطين.
وطالت العقوبات الأمريكية المدعي العام للمحكمة كريم خان، والقاضي الفرنسي نيكولا غيو، والقاضية البنينية رين ألابيني غانسو، والسلوفينية بيتي هوهلر، والكندية كيمبرلي بروست، وقضاة آخرين.
وبحسب قراءات سياسية مطلعة، فإن ديلسي رودريغيز تطمح من خلال خطوة الانسحاب إلى تحقيق 3 أهداف سياسية:
أولًا، ربح الرأي العام من خلال الدفاع عن السيادة القضائية الوطنية، والتأكيد أن لكاراكاس خطوطًا حمراء لا تراجع عنها.
ثانيًا، الإبقاء على ولاء كبار الضباط والجنرالات المتهمين بتنفيذ انتهاكات ضد المحتجين، والحيلولة دون تمردهم ضدها.
ثالثًا، وهو الأهم، مزيد من التقارب مع واشنطن وتل أبيب.
وفي هذا السياق، يربط المتابعون للشأن الفنزويلي بين مسعى التقارب المذكور والطموحات السياسية لديلسي رودريغيز، التي من المرجح أن تشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث ترغب الأخيرة في البقاء على كرسي الرئاسة في كاراكاس وقيادة المرحلة الانتقالية في البلاد.
يُشار إلى أن العلاقات بين كاراكاس وتل أبيب تشهد، في الآونة الأخيرة، طفرة ملحوظة، بفضل الدور الذي لعبته إسرائيل في جهود الإغاثة الإنسانية جراء موجة الزلازل التي ضربت فنزويلا وأودت بحياة نحو 6 آلاف شخص، وفق آخر الإحصائيات المنشورة.
كما ستلعب إسرائيل دورًا مركزيًا في إعادة الإعمار في فنزويلا، وهو ما يمثل طيًّا لصفحة الرئيسين هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو، اللذين اتخذا قرار قطع العلاقات الفنزويلية مع إسرائيل.