لور فيراري.. الفرنسية التي تهمس في أذن اليمين المتطرف البريطاني

لور فيراري.. الفرنسية التي تهمس في أذن اليمين المتطرف البريطاني

في مطعم راقٍ بأحد النوادي الخاصة في لندن، حيث الياقات السوداء إلزامية، جلس رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، جوردان بارديلا، يُصغي بانتباه شديد إلى كلام مترجمته. 
كان يلتقي لأول مرة بالزعيم البريطاني نايغل فاراج، ورغم الدروس الإنجليزية المكثفة التي أخذها مسبقًا، لم يكن يريد أن يخطئ أمام الرجل الذي صنع «بريكست» بإرادته الشخصية. 
أما المترجمة التي تجلس بينهما فلم تكن مجرد مترجمة، إنها لور فيراري، البالغة 46 عامًا، وهي فرنسية من مدينة إيبينال، وشريكة فاراج في الحياة ومستشارته في السياسة، ورغم أنها شخصية تكاد تكون مجهولة في باريس، إلا أنها تلعب دورًا محوريًا في رسم ملامح اليمين الشعبوي في أوروبا وما وراء الأطلسي. 

من نادلة إلى مستشارة 
لأقوى سياسي بريطاني
وبحسب صحيفة «لوموند»، كانت لور فيراري تعمل في العام 2007 نادلة في مطعم بستراسبورغ، حين دخل عليها نايغل فاراج وصديقه غودفري بلوم، عضوا البرلمان الأوروبي، اللذان كانا يرتادان المطعم بانتظام على هامش جلسات البرلمان.
وتحدثا مع فيراري التي كانت تمرّ بمأزق، حيث أفلست بسبب مشروعها التجاري الصغير في تصميم الملابس.
ولم تكمل فيراري دراستها في الأدب الإنجليزي، لكنها كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة، واهتمت بالسياسة منذ أن صوّتت «لا» في استفتاء، العام 2005، على الدستور الأوروبي.
وبعد أشهر قليلة، وظّفها فاراج مساعدة برلمانية.. على الأقل، هذه هي الرواية التي روتها لسنوات.
ولاحقًا، غيّرت نسختها قائلةً إنها عملت في الواقع مع بلوم.
وعلّق الأخير لـ»لوموند» بدبلوماسية بريطانية: «كان لديها شعور حاد بالفكاهة، وهذا مهم جدًا بالنسبة للإنجليز».
وأضاف مبتسمًا: «كانت جذابة لرجال في سن معينة».

الصعود داخل 
البرلمان الأوروبي
سرعان ما تقدمت فيراري داخل المنظومة، وأصبحت رئيسة للعلاقات العامة للوفد البريطاني في البرلمان الأوروبي، وهو وفد كان يجمع أحزابًا يمينية وشعبوية أوروبية: «ليغا نورد» الإيطالي، «البديل» في ألمانيا، «فلامس بيلانغ» البلجيكي، أما في فرنسا، كان الحزب متحالفًا مع «دبو لا فرانس» بزعامة نيكولا دوبون إينيون، وقد لعبت فيراري دور الوسيطة.
في تلك المرحلة، كان فاراج يفضل الظهور مع دوبون بدلًا من «الجبهة الوطنية» التي كانت تقودها مارين لوبان، معتبرًا أن «معاداة السامية متأصلة في كيانها».
وقد سخرت لوبان منه في مؤتمر صحفي، قائلة: «ربما لأن مساعداتنا أقل جمالًا من مساعدات نيكولا دوبون إيينيون؟»، في إشارة صريحة إلى فيراري.

الحياة الخاصة أمام 
عدسات الصحف البريطانية
لم تكن العلاقة سرًا في ستراسبورغ، لكن فاراج كان لا يزال متزوجًا من مترجمته الألمانية كيرستن مير، وأبًا لأربعة أطفال.
الصحف البريطانية الشعبية انتهزت الفرصة: ففي مطلع العام 2017، رصدت «ديلي ميل» المرأة وهي تخرج القمامة ببيجامتها أمام شقة فاراج في لندن، وأطلقت عليها «النادلة الفرنسية الفاتنة».. تلعثم فاراج في تفسيراته، وطلق زوجته لاحقًا.

3 قرارات غيّرت
 مسيرة فاراج
تُصرح فيراري لـ»لوموند» بفخر بأنها تقف وراء «ثلاثة أشياء فعلها نايغل في حياته شجعته على القيام بها»، وتجعلها «فخورة»، الأول: إقناعه بمغادرة «يوكيب» العام 2018، قائلة: «لم أستطع تحمّل ذلك الحزب بعد الآن، حتى الألوان، الأصفر والبنفسجي.. قلت لنايغل إنه أفضل من ذلك بعد بريكست».
الثاني: إقناعه بالمشاركة في برنامج المشاهير الواقعي «أنا مشهور، أخرجوني من هنا»، المصوَّر في الغابة الأسترالية العام 2023.
وتشرح فيراري السبب بصراحة: «كانت هناك فئتان من السكان يجد نايغل صعوبة معهما: النساء والشباب. الهدف كان أن يرى الناس أنه ليس الرجل الشرير العنصري الكاره للمرأة والمثليين كما تصوّره الصحف».
وجذب البرنامج في المتوسط  9 ملايين مشاهد. وسافرت فيراري إلى أستراليا لاستقباله عند خروجه من الغابة.. «كانت فرصة لأقول: نحن معًا ولا يهمنا ما تعتقده».
الثالث: إقناعه بالترشح للانتخابات العامة البريطانية في يوليو-تموز العام 2024، «كانت أفكاره تنتشر، خاصة في موضوع الهجرة، لنسمّي الأشياء بأسمائها، كان هناك طلب عليه في كل مكان ذهب إليه في البلاد»، وفاز بنسبة 46.2%. 

الصلة ببانون 
وشبكة اليمين الأوروبي
تكشف «لوموند» بُعدًا أشمل في مسيرة فيراري، إذ أراد ستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابق، العام 2018، توحيد الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية.
والتقى بانون مع فاراج وفيراري وميشيل مودريكامين البلجيكي على الغداء في لندن.
وعد بانون بتمويل من متبرعين أثرياء. لكن وعوده بالتمويل لم تتحقق أبدًا. ومع ذلك، ساعدت فيراري في ترتيب اللقاء التاريخي الأول بين ترامب وفاراج العام 2016 عبر معارفها في الحزب الجمهوري.
وفي حياة فيراري قضية شائكة، حيث دفعت 885 ألف جنيه إسترليني ثمنًا لمنزل في فرينتون-أون-سي بأربع غرف نوم وحمام سباحة مسخَّن، بينما كان فاراج يدّعي في البداية أنه هو المشتري، قبل أن يتراجع بعد تحقيق صحيفة «الغارديان».
وقال فاراج: «تنحدر من عائلة فرنسية ثرية وتستطيع تحمّل التكلفة». 
لكن تحقيق BBC في سبتمبر-أيلول العام 2025 طعن في ذلك: والدها متقاعد كان يملك شركة نقل أُغلقت بخسارة، وشقة في ضواحي ستراسبورغ لا تتجاوز قيمتها 300 ألف يورو.
وحين سألتها «لوموند» مباشرة، أجابت فيراري بغموض: «نعم ولا، هذا سيكون إرثًا ضخمًا جدًا... هناك أكثر من طريقة لدفع ثمن المنزل».
وأضافت: «لا أستطيع أن أقول كم أعطتني جدتي، هذا شأني. المهم أنني دفعت كل الضرائب، وليس هناك تهرب ضريبي والمنزل باسمي».
وتختتم «لوموند» بسؤال مباشر: هل تتخيل نفسها تدخل مقر الحكومة البريطانية في داونينغ ستريت رقم 10؟
وأجابت بحذر: «أشياء كثيرة يمكن أن تحدث قبل الانتخابات»، كاشفة «سيُسعدها» إن حدث ذلك.