ماذا بعد «قمة بكين»؟.. الدبلوماسية تتراجع والمواجهة تقترب
مباشرة بعد عودته إلى البيت الأبيض، عقب زيارته التاريخية إلى العاصمة الصينية بكين، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة بشأن ما حققته الزيارة على صعيد الحرب مع إيران، وما إذا كانت الصين قد أبدت التزامًا حقيقيًا بالمساعدة في احتواء الأزمة المتصاعدة.
وتتزامن هذه التساؤلات مع تراجع الآمال بإحياء المسار الدبلوماسي، بعد وصول الرد الإيراني على المقترح الأمريكي ورفضه من قبل البيت الأبيض؛ ما يعيد النقاش داخل الإدارة الأمريكية حول احتمال العودة إلى الخيار العسكري، في ظل تعثر جهود التسوية السياسية.
حتى وهو على متن الطائرة الرئاسية في طريق عودته إلى واشنطن، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحذر لافت عن طبيعة الموقف الصيني من الأزمة الإيرانية، مشيرًا إلى أن الرئيس الصيني يدعم التوصل إلى حل للأزمة في مضيق هرمز، وأن بكين ستسهم في جهود احتواء الحرب عبر موقفها الرافض لإرسال أسلحة إلى إيران.
وفي الوقت الذي كان فيه ترامب في طريق العودة إلى العاصمة الأمريكية، أصدرت وزارة الخارجية الصينية بيانًا أكدت فيه أن بكين لا ترى مبررًا مقنعًا لاستمرار الحرب الحالية في الشرق الأوسط، معتبرة أنه لم يكن هناك داعٍ لاندلاعها من الأساس. وأعاد الموقف الصيني، وتوقيته تحديدًا، طرح تساؤلات داخل واشنطن بشأن مدى نجاح المحادثات الثنائية المغلقة بين ترامب والرئيس الصيني في تحقيق تفاهمات حقيقية، أو إحراز تقدم فعلي نحو إنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
ولم يكشف مسؤولو البيت الأبيض المرافقون لترامب الكثير من تفاصيل الاجتماعات الثنائية أو الموسعة، إلا أن الرئيس الأمريكي عاد، فور وصوله وفي نهاية الأسبوع، إلى نشر تغريدات عبر منصته للتواصل الاجتماعي، قال فيها: «إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة»، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها تعكس استعدادًا أمريكيًا لاحتمال العودة إلى العمليات العسكرية.
وتعزز هذه المؤشرات تصريحات مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، تحدثوا عن وجود خطة جاهزة لاستئناف العمليات العسكرية، بانتظار القرار النهائي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحديد التوقيت المناسب لتنفيذها.
هل انتهت فرصة الدبلوماسية؟
وحتى الآن، لا توجد إشارات واضحة من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأمريكية بشأن سقف زمني محدد للعودة إلى العمليات القتالية، إلا أن تغريدات ترامب الأخيرة أعطت انطباعًا بأن الأمر قد يكون وشيكًا، وأن احتمالات التصعيد العسكري لا تزال قائمة بقوة.
وفي محاولة لتقديم الرواية الرسمية للأحداث، ردّ ترامب على الاتهامات المتداولة في واشنطن بشأن ما إذا كانت الإدارة الأمريكية قد أساءت تقدير طبيعة الرد الإيراني قبل إطلاق عملياتها العسكرية في نهاية فبراير-شباط الماضي.
وقال ترامب: «لقد نجحنا في القضاء على قواتهم البحرية وقدراتهم الصناعية العسكرية، كما قضينا على الصف الأول والثاني وحتى الثالث من قياداتهم.. إنهم يتخبطون بشكل كبير، لكن الإعلام الكاذب يصر على تصوير العمليات وكأنها لم تحقق النجاح المطلوب». ويبدو أن ترامب لا يزال يرفض التعاطي مع النقاشات الإعلامية والسياسية المتصاعدة داخل واشنطن حول أزمة الخيارات التي تواجهها الإدارة الأمريكية في الحرب الحالية في الشرق الأوسط، إضافة إلى الاتهامات التي تتحدث عن دخول الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية من دون امتلاك استراتيجية واضحة لإدارة الحرب أو آلية محددة للخروج منها. لم تعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتبطة بالتفاؤل المعلن بشأن المسار الدبلوماسي؛ إذ بات واضحًا، على الأقل منذ مغادرته العاصمة الصينية بكين، أن الخطاب السياسي بات يركز على حجم المكاسب التي حققتها القوات الأمريكية خلال أسابيع الحرب المباشرة مع طهران، وما يمكن أن تنجزه في الأيام المقبلة في حال العودة إلى المواجهة العسكرية.
العودة الى لغة
التهديد مجدداً
وفي أحدث تصريحاته الإعلامية، قال ترامب في هذا السياق: «لقد وجهنا إليهم ضربة قاضية.. لقد أبقينا على جســـــورهم وشبكاتهم الكهربائية، لكننا قادرون على تدمير كل ذلك خلال يومين فقط.. يومين لا أكثر».
هذا الخطاب الحاد في مفرداته، والذي يتراجع فيه الحديث عن فرص التسوية، فتح الباب أمام تساؤلات حول غياب الإشارات إلى أي مسار تفاوضي محتمل من جانب الإدارة الأمريكية. ويقول خبراء الشأن الإيراني في واشنطن إن تصريحات ترامب ومسؤولي البنتاغون، إلى جانب عدم تحقيق اختراقات لافتة في زيارة بكين، تعكس معطيات تشير إلى أن خيار العودة إلى العمليات العسكرية بات واقعيًا أكثر من أي وقت مضى.
كما يلفت مراقبون إلى أن الحديث داخل أروقة البيت الأبيض عن الدور الباكستاني في جهود الوساطة قد تراجع بشكل شبه كامل، وسط غياب أي إشارات رسمية بشأن اتصالات أو عروض جديدة لعقد جولات تفاوضية أو تبادل مقترحات عبر الوسيط الباكستاني. وفي خضم هذا الجمود الدبلوماسي، ظهرت إشارة محدودة من ترامب خلال عودته من بكين، أبدى فيها استعداده للنظر في مقترح يقضي بتجميد تخصيب اليورانيوم الإيراني لمدة عشرين عامًا، شرط أن يكون ذلك التزامًا حقيقيًا وموثوقًا من الجانب الإيراني. لا يتوقف الجدل بين أنصار الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وأنصار الرئيس الحالي دونالد ترامب حول تقييم الأسلوب الذي اتبعه كل منهما في التعامل مع الملف الإيراني خلال فترة رئاسته.
بين تجربة أوباما وترامب.. تبادل الاتهامات
فقد دافع الرئيس الأسبق باراك أوباما عن نهج إدارته، مشيرًا إلى أنها نجحت في التوصل إلى اتفاق مع إيران دون إطلاق صاروخ واحد ودون تكبيد الخزينة الأمريكية كلفة عسكرية كبيرة، مؤكدًا أن الاتفاق وضع البرنامج النووي الإيراني تحت رقابة دولية صارمة وبمشاركة الولايات المتحدة وشركائها. في المقابل، قوبلت تصريحات أوباما بردود حادة من مقربين من الرئيس ترامب، الذين اعتبروا أن الاتفاق كان سيئًا للولايات المتحدة؛ لأنه منح إيران موارد ساعدتها على توسيع برنامجها النووي وتعزيز نشاطها الإقليمي في الشرق الأوسط، إضافة إلى تحميلها مسؤولية التطورات الأمنية اللاحقة في المنطقة.
هذا السجال لم يقتصر على الجانبين، إذ ردّ قادة في الحزب الجمهوري بالقول إن إدارات أمريكية سابقة، بما فيها إدارة أوباما، تجنبت خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، بينما كان ترامب – بحسب تعبيرهم – أول من اتخذ قرار الدخول في مواجهة عسكرية وتوجيه ضربات غير مسبوقة، أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يعتزم التحضير لمبادرة منفردة تهدف إلى رفع الضرائب على الوقود في محطات البنزين لفترة مؤقتة، في محاولة للتخفيف من حدة الجدل الداخلي المتصاعد في الولايات المتحدة بشأن ارتفاع أسعار الوقود، في ظل تداعيات الحرب في إيران.
الوقود ثم الوقود
وتعيد هذه الخطوة فتح ملف العلاقة المتوترة بين البيت الأبيض والكونغرس، خاصة أن تنفيذ مثل هذا القرار يتطلب العودة إلى المؤسسة التشريعية؛ وهو ما يُتوقع أن يواجه صعوبات سياسية، في ظل مواقف الديمقراطيين الرافضة للنهج الحالي. ويرى قادة في الحزب الديمقراطي أن أي تحرك بهذا الاتجاه يستوجب نقاشًا موسعًا داخل الكونغرس، معتبرين أن ذلك يفتح الباب أمام اختبار ســياسي مباشر لإدارة ترامب، ليس فقط بشأن تبعات الحرب الاقتصادية، بل أيضًا حول قرار الدخول في الحرب ذاتها.
ويؤكد الديمقراطيون أن الحرب الحالية لم تكن ضرورة حتمية، وأن إيران لم تكن تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، بل جاءت – بحسب وصفهم – خيارا سياسيا اتخذته الإدارة الأمريكية؛ ما يجعلهم يطالبون اليوم بمساءلة أوسع حول القرارات العسكرية والاقتصادية المرتبطة بها.