التطبيع بين البلدين يعود إلى تغير في السياسة الخارجية التركية
ما هي أبرز محركات «البداية الجديدة» بين مصر وتركيا؟
يبدو أن مصر وتركيا مستعدتان لإنهاء نزاع استمر لعقد من الزمان، حيث وجد الخصمان السابقان قواسم مشتركة في الضغوط الاقتصادية وأزمة العملة والمشهد الإقليمي المتدهور بسرعة.
وتقدم الزيارات التاريخية التي قام بها الرئيسان، التركي رجب طيب أردوغان، والمصري عبدالفتاح السيسي، لبعضهما بعضاً خلال الأشهر القليلة الماضية تفسيراً لذلك؛ فالتنمية الاقتصادية لا تتماشى مع الصراع السياسي، حسب ما أفاد هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية ببيروت.
وشهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات كبيرة خلال العقد الماضي، ما أوجد تحديات مشتركة يجب على تركيا ومصر ودول أخرى معالجتها، ومن بينها: أزمة ليبيا والحرب الأهلية في السودان والصراع الإثيوبي الصومالي، والتوترات في البحر الأحمر والطاقة في شرق البحر المتوسط. إن التقدم الذي أحرزته اليونان وجمهورية قبرص في عزل تركيا، وتدخل تركيا المباشر في الصراع الليبي، دفع أنقرة للسعي إلى تطبيع علاقاتها مع جميع الدول التي كانت قد تباعدت معها.
ولفت الكاتب النظر إلى أن التطبيع بين البلدين يعود إلى تغير في السياسة الخارجية التركية، حيث تحاول الحكومة إصلاح العلاقات المتوترة مع الدول الأخرى.
ساهمت عوامل أخرى أيضاً في تقارب الدولتين. فقد شهدت التجارة الثنائية زيادة بنسبة 44% في عام 2021، مما ساعد على تعزيز التعاون بين البلدين رغم تداعيات جائحة كوفيد-19.
الطريق نحو التطبيع
وأوضح الكاتب في تحليله بموقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز» البحثي الأمريكي أن الجانب الاقتصادي هو الأهم من بين العوامل التي ساهمت في تطبيع العلاقات بين الدولتين. ويعد التعاون التجاري والاستثماري نقطة انطلاق لتعزيز التقارب السياسي والدبلوماسي. وجاءت زيارة السيسي إلى أنقرة في الوقت الذي تسعى فيه مصر لتعزيز موقفها الاقتصادي دولياً من خلال عضويتها في مجموعة «بريكس» التي تمثل فرصة لمصر لتوسيع شبكتها الاقتصادية والتجارية مع الاقتصادات القوية، مثل الصين والهند وروسيا.
في الوقت نفسه، تمتلك تركيا اقتصاداً كبيراً وموقعاً استراتيجياً بين أوروبا وآسيا، مما يمكّنها من إضافة قيمة كبيرة لمجموعة «بريكس». ومن شأن رغبة مصر وتركيا المشتركة في تحسين اقتصادهما من خلال إطار «بريكس» أن تساعد في تجاوز العديد من التناقضات السياسية بينهما.
في زيارته الأخيرة لأنقرة، ترأس السيسي وفداً شمل وزراء وضباطاً كباراً ورجال أعمال لتوقيع اتفاقيات في مجالات الدفاع والطاقة والسياحة والصحة والتعليم والثقافة. تهدف الدولتان إلى زيادة حجم التجارة من 6.1 مليار دولار إلى 15 مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة.
وتضمن جدول أعمال الزيارة أيضاً محادثات حول تنفيذ مشاريع دفاعية مشتركة والتعاون في مجالات الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي المسال والطاقة النووية والمتجددة.
كما تضمن النقاش توسيع اتفاقية التجارة الحرة وإعادة تشغيل خدمات النقل البحري بين موانئ مرسين والإسكندرية وإمكانية إجراء المعاملات التجارية بالعملات المحلية لتعزيز التعاون الاقتصادي، ولكن نظراً لصغر حجم التبادل الاقتصادي بينهما، فمن غير المرجح أن يحل استخدام العملات المحلية الحاجة إلى العملات القابلة للتحويل التي لا تتعرض لخطر التراجع بمرور الوقت.
ورغم الرغبة المشتركة في تطبيع العلاقات، يقول الكاتب، تبدو تركيا أكثر حماسة للوصول إلى تطبيع كامل. ويعد التطبيع مع مصر ضرورياً لتركيا لتخفيف آثار الاتفاقية البحرية بين مصر واليونان في عام 2020، والتي كانت لصالح أثينا والقبارصة اليونانيين.
وأدت هذه الاتفاقية إلى إلغاء فعلي للاتفاق البحري بين أنقرة وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. ومع ذلك، مصر على استعداد لمساعدة تركيا في هذا الشأن. ولا تمثل قضية الغاز في البحر المتوسط أي مشكلة بالنسبة لمصر، بل هي أزمة بين اليونان وتركيا.
ويمكن لمصر أن تستفيد من خبرة تركيا في قطاع الطاقة، خاصة فيما يتعلق بالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. ويُعد التعاون في مجال صناعة الدفاع بين البلدين أيضاً أمراً محورياً، خاصة مع اقتراب مصر من الحصول على طائرات تركية متقدمة دون طيار. وينبغي أن يسهم التعاون العسكري المستمر في تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط. وهناك أيضاً بعض المزايا الأخرى من تعاون الدولتين، حيث تسعى تركيا إلى الاستفادة من السوق المصري كبوابة إلى إفريقيا، كما ترغب في الحصول على تعاون القاهرة في التعامل مع أنشطة حركة فتح الله غولن. تدرك مصر عمق التاريخ المشترك مع أنقرة، وأهمية الاستثمار في العلاقات الجيوستراتيجية معها. ومع ذلك، تدرك أيضاً حدود هذه العلاقة.