محمد بن راشد: الإمارات مستمرة في تطوير نموذج حكومي عالمي أكثر كفاءة ومرونة واستباقية
من تهديد أوديسا إلى منطقة خالية.. هل تخلّت روسيا عن أبرز معاقلها في أوكرانيا؟
عاد اسم «كينبورن سبيت» إلى واجهة التطورات الميدانية في الحرب الروسية الأوكرانية بعد تقارير أمريكية كشفتها «واشنطن بوست» عن انسحاب قوات روسية من أجزاء من هذا اللسان الرملي الواقع بين مصب نهر دنيبرو-بوغ والبحر الأسود.
وأعلنت حركة المقاومة الأوكرانية «أتيش»، أن مصدراً يعمل داخل مجموعة قوات «دنيبرو» الروسية أبلغها بأن منظومة الإمداد الرئيسة للقوات الروسية في المنطقة تعرضت للتعطيل الكامل، وهو ما أدى إلى صعوبات في الحفاظ على المواقع العسكرية المنتشرة هناك.
ووفقًا لبيان الحركة، فإن وحدات من الفوج الروسي 337 جرى سحبها من الأجزاء الشمالية والغربية من اللسان الرملي، في وقت أشارت فيه إلى توقف إمدادات الذخيرة، والوقود، والمواد الغذائية.
وأعلن المتحدث باسم قوات الدفاع الجنوبية الأوكرانية فلاديسلاف فولوشين، أن القوات الأوكرانية تواصل استهداف طرق الإمداد المؤدية إلى «كينبورن سبيت»، مؤكدًا أن الحديث عن انسحاب روسي كامل ما زال مبكرًا.
وتحظى «كينبورن سبيت» بمكانة خاصة في مسار الحرب منذ العام 2022، خاصة أنها تقع عند مدخل الممرات المؤدية إلى موانئ ميكولايف وأوتشاكيف، كما استخدمت خلال المراحل الأولى من الحرب كنقطة متقدمة للسيطرة على مصب دنيبرو-بوغ.
ونفذت أوكرانيا، خلال السنوات الماضية، عدة محاولات لاستهداف المواقع الروسية في اللسان الرملي، بالتوازي مع عمليات متكررة ضد خطوط الإمداد في جنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.
وبين التقارير التي تتحدث عن تراجع الوجود الروسي، والتصريحات الرسمية التي تدعو إلى التريث، يبقى السؤال: هل تخلّت روسيا عن «كينبورن سبيت» أبرز معاقلها في أوكرانيا؟
أكد د. عماد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن منطقة «كينبورن سبيت» تتمتع بأهمية عسكرية ولوجستية كبيرة في مسرح العمليات جنوب أوكرانيا، وأن أي تغيير في وضع السيطرة عليها ستكون له تداعيات مباشرة على حركة القوات الأوكرانية، وأمن الموانئ، وخطوط الإمداد.
وقال في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز» إن الوقت لا يزال مبكرًا للحسم بشأن ما إذا كانت التحركات الروسية الأخيرة تمثل إعادة تموضع تكتيكية أم انسحابًا كاملًا من المنطقة، في ظل الحاجة إلى مزيد من المعطيات الميدانية لتحديد طبيعة هذه الخطوة وأهدافها العسكرية. وأضاف أن تأكد الانسحاب الروسي سيمنح أوكرانيا مساحة أوسع للتحرك الميداني، ويعزز قدرتها على فرض السيطرة على مناطق إضافية، وتحسين حماية الموانئ، والأجواء، وطرق الإمداد البرية، كما سيقلص من قدرة القوات الروسية على استهداف بعض المواقع الأوكرانية بالسرعة التي كانت متاحة سابقًا. وأشار رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، إلى أن موسكو قد تلجأ في حال الانسحاب إلى تعويض أي تراجع ميداني عبر تكثيف استخدام الطائرات المسيرة ووسائل السيطرة الجوية لمنع القوات الأوكرانية من استثمار أي مكاسب محتملة في المنطقة. وأوضح أبو الرب، أن استمرار الوجود العسكري الروسي داخل «كينبورن سبيت» قد يجعل تلك القوات عرضة للاستنزاف والاستهداف من الجانب الأوكراني، بما قد يترتب عليه خسائر بشرية ومادية.
ولفت إلى أن استمرار المواجهة العسكرية بالشكل الحالي لا يوفر حلول مستدامة لأي من الطرفين مؤكدًا أهمية التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة تفتح الباب أمام تسوية دائمة، في ظل مؤشرات على إمكانية استئناف مسار تفاوضي قد يساعد الجانبين على الوصول إلى حل شامل للأزمة.
من جانبه، قال رامي القليوبي، الأستاذ بكلية الاستشراق بالمدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، إن منطقة «كينبورن سبيت» تتبع إداريًا مقاطعة ميكولايف وليس مقاطعة أوديسا، معتبرًا أن هذا البعد الجغرافي يؤثر بصورة مباشرة على تقييم أهميتها العسكرية والإستراتيجية في سياق الحرب الدائرة.
وفي تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز» أشار القليوبي، إلى أن التصورات الروسية في المراحل الأولى من العمليات العسكرية ارتبطت بأهداف أوسع على الساحل الأوكراني للبحر الأسود، وفي مقدمتها مدينة أوديسا بوصفها مركز إستراتيجي واقتصادي مهم ضمن خطط كانت تستهدف تعزيز النفوذ الروسي على الممرات البحرية الحيوية.
وأضاف أن التطورات الميدانية خلال السنوات الماضية أفرزت واقع مختلف إذ أدى التكافؤ العسكري النسبي بين الطرفين إلى حالة من الجمود العملياتي دفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها. وأشار القليوبي إلى أن التركيز الروسي بات منصبًا بصورة أكبر على تثبيت المكاسب الميدانية في المناطق التي أعلنت روسيا ضمها العام 2022، مع إعطاء أولوية لتعزيز السيطرة على المناطق التي تعتبرها ضمن نطاقها الأمني والجغرافي، لا سيما في محيط دونباس والمناطق المتاخمة لخطوط القتال.
وأضاف المحلل السياسي أن هذا التحول يعكس انتقالًا من السعي إلى توسيع نطاق السيطرة إلى التركيز على إدارة خطوط التماس، وتثبيت المواقع الحالية.
ولفت إلى أن الحديث عن أوديسا كهدف عسكري مباشر لم يعد يحظى بالزخم ذاته الذي كان قائمًا في بداية الحرب، نتيجة تعقيدات الميدان، وصعوبة تحقيق تقدم واسع على تلك الجبهة.
وأشار الخبير في الشؤون الروسية، إلى أن أي تسوية محتملة قد تقود إلى تجميد النزاع عند خطوط التماس الحالية، وتثبيت الأوضاع القائمة في بعض المناطق دون توسيع العمليات العسكرية.