تعنى بمتابعة اتجاهات الإنتاج المعرفي في العالم

نشرة «تريندز» ترصد تحولات السلطة والمعرفة في القرن الحادي والعشرين: من الذكاء الاصطناعي إلى صراع السرديات

نشرة «تريندز» ترصد تحولات السلطة والمعرفة في القرن الحادي والعشرين: من الذكاء الاصطناعي إلى صراع السرديات


في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات المعرفية وتداخل السرديات، يواصل مركز تريندز للبحوث والاستشارات، عبر نشرته الدورية، تقديم قراءات معمّقة في اتجاهات الإنتاج المعرفي العالمي. وفي هذا الإطار، صدر العدد الجديد (42) من مجلة «تريندز»، التي يُشرف على إعدادها وإصدارها مكتب تريندز الافتراضي في كندا، ليقدّم معالجة تحليلية رصينة لتحولات السلطة والمعرفة في القرن الحادي والعشرين، في ظل تصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي، وتنامي التضليل السياسي، وتحول السرديات إلى أدوات قوة استراتيجية تعيد تشكيل السياسة والمجتمع والاقتصاد على المستويين الوطني والدولي.
ويقدّم العدد قراءة فكرية متكاملة لكتب ودراسات تبدو متباعدة موضوعياً، لكنها تلتقي عند منطق واحد يحكم العالم المعاصر، يتمثل في الصراع على تشكيل المستقبل عبر السيطرة على الخيال الجمعي، وإعادة بناء الإدراك، والتحكم في البنى الرمزية والتنظيمية التي تحدد ما هو ممكن أو مرغوب في المجتمعات الحديثة.
ويبرز العدد كيف لم تعد السلطة تُمارَس فقط من خلال القوانين والمؤسسات التقليدية، بل عبر إدارة الخيال الجماعي وصناعة التطلعات الفردية، في سياق ما تصفه الدراسات بـ«مجتمعات المشاريع»، حيث تُعاد صياغة الرغبات والآمال بوصفها أدوات لإعادة إنتاج السلطة، بما يتقاطع مع أطروحات السلطة الحيوية ونقد الرأسمالية النيوليبرالية.
كما يتناول العدد ظاهرة التضليل السياسي بوصفها تهديداً مباشراً للإدراك الجماعي، وليس للحقيقة فقط، إذ تؤدي السرديات الزائفة إلى خلق عوالم بديلة تُهمّش الواقع، وتُفرغ الحرية من معناها الفعلي، وتحوّل المواطن إلى فاعل يتحرك داخل سياق مُتحكَّم به إدراكياً. ويخلص هذا الطرح إلى أن الأزمة الراهنة هي أزمة خيال سياسي قبل أن تكون أزمة مؤسسات ديمقراطية.
وفي البعد الدولي، يوضح العدد أن المعلومات باتت سلاحاً استراتيجياً لا يقل خطورة عن القوة العسكرية، مستعرضاً كيف تحولت السرديات إلى أدوات صراع في النزاعات المعاصرة، من الحرب الروسية–الأوكرانية إلى أزمات الشرق الأوسط وأفريقيا، ما جعل مفهوم «الأمن المعرفي» عنصراً أساسياً في مستقبل الدولة الحديثة. ويخصص العدد حيزاً واسعاً لتحليل تداعيات الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن تأثيره لا يقتصر على الاقتصاد والسياسة، بل يمتد إلى إعادة تعريف الفاعلية الإنسانية نفسها، ومناقشاً احتمالات تجاوز الحدود البيولوجية وظهور نماذج هجينة تطرح أسئلة فلسفية وأخلاقية حول السيادة المعرفية والوجود الإنساني. ويخلص العدد إلى أن معركة القرن الحادي والعشرين ليست معركة موارد أو حدود، بل معركة على الحق في تخيّل المستقبل وصياغته، محذراً من أن فقدان القدرة على التخيل أو الثقة بالحقيقة المشتركة يعني تسليم مصير المجتمعات لقوى خارجية أو أيديولوجيات مقنّعة، ومؤكداً أن استعادة الخيال الجمعي وبناء مؤسسات تحمي الحقيقة تمثل المدخل الأساس للتحرر في عصر الذكاء الاصطناعي.