حتى بعد تراجُع ترامب عن ضَم غرينلاند :
هل باتَتْ العلاقاتُ بين الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي على حافة الانهيار ؟
تلعثمت ميتي فريدريكسن قائلةً: «آه». فرغم اعتيادها على الميكروفونات الموجهة إليها، وجدت رئيسة الوزراء الدنماركية نفسها عاجزة عن الكلام عندما سألها صحفي، لدى وصولها إلى المجلس الأوروبي يوم الخميس 22 يناير-كانون الثاني، عما إذا كانت لا تزال تثق بالولايات المتحدة. هذه اللحظة القصيرة من التردد عبّرت بوضوح عن حالة الصدمة التي أصابت الأوروبيين جراء تهديدات دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، بالقوة إن لزم الأمر، وزيادة الرسوم الجمركية على الدول التي حاولت منعه. لا شك أن تراجع دونالد ترامب مساء 21 يناير-كانون الثاني جلب ارتياحًا كبيرًا للدول الأعضاء الـ 27. لكن هذه الأيام العصيبة أقنعتهم بأن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مهما بلغت أهميتها، باتت على حافة الانهيار. حتى أكثر القادة تفاؤلًا بشأن العلاقات عبر الأطلسي لم يستطيعوا إخفاء استيائهم. «كان لدى البعض أوهام. أما الآن، فالجميع واقعيون»، كما أشار أحد الدبلوماسيين. مساء الخميس، اجتمع رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لمناقشة العلاقات عبر الأطلسي، بعد عام من عودة السيد ترامب إلى البيت الأبيض.
لا يُنكر أحدٌ أهميتها، بل وضرورتها، نظرًا لاعتماد الاتحاد الأوروبي على الولايات المتحدة في أمنه وحاجته إلى واشنطن لإيجاد حل للحرب في أوكرانيا. لكن الجميع يُدرك الآن أنها «متقلبة»، كما وصفها أحد الدبلوماسيين.
الأمر أشبه بـ»عندما يبدأ أحدهم بتكسير أواني الخزف، تحاول إعادة السلام إلى المنزل، لكنك تعيش مع فكرة أن الأمر قد يتكرر كل يوم». قد لا يدوم الهدوء طويلًا. ففي وقت مبكر من يوم الخميس، استأنف السيد ترامب لهجته التهديدية، متوعدًا «بالانتقام» إذا بدأ الأوروبيون ببيع الديون الأمريكية. «عدم القدرة على التنبؤ هو كلمة العام»، هكذا لخصت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الوضع. طالما أن ذلك لا يأتي على حسابهم، تحاول الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي استرضاء واشنطن. لهذا السبب، ودعماً للدنمارك، دأبوا على اقتراح تعزيز الأمن في القطب الشمالي. وفيما يتعلق بالاتفاقية التجارية المبرمة في يوليو-تموز 2025 بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي ترفع الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية عبر المحيط الأطلسي بنسبة 15%، يؤكدون استعدادهم لتنفيذ التزاماتهم. وبينما قرر البرلمان يوم الأربعاء تعليق التصديق على الاتفاقية التي من شأنها خفض الرسوم الجمركية الأوروبية على البضائع الأمريكية إلى الصفر، فمن المتوقع إعادة فتح النقاش قريباً.
لنكن متيقظين
لقد حان وقت التهدئة، ولكن كما أكد إيمانويل ماكرون مجدداً، «سنبقى على أهبة الاستعداد، جاهزين لاستخدام الأدوات المتاحة لنا إذا ما تعرضنا للتهديد مرة أخرى». ومثل الغالبية العظمى من نظرائه، فهو مقتنع بأن تماسك الأوروبيين في مواجهة تهديدات السيد ترامب، وإظهارهم الفوري استعدادهم للرد، ساهما في تراجع الرئيس الأمريكي عن موقفه. كانت الدول الأعضاء الـ 27 مستعدة لإطلاق إجراءاتها المضادة إذا ما تحققت تهديدات السيد ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة، اعتباراً من الأول من فبراير. وكان بإمكانهم تنفيذ إجراءات مضادة بسرعة على سلع أمريكية بقيمة 93 مليار يورو. وكانوا مصممين على تفعيل آلية مكافحة الإكراه ضد واشنطن. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن «هناك أغلبية مؤهلة مؤيدة»، نظراً لتأييد فرنسا وألمانيا وبولندا وإسبانيا لها. وقلة، مثل الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا، اعتبروا آلية مكافحة الإكراه «غير مناسبة» ودعوا إلى «أجندة إيجابية».
في عام 2025، عندما كان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتفاوضان على اتفاقية التجارة غير المتوازنة التي توصلا إليها في نهاية المطاف، كانت باريس شبه وحيدة في الدعوة إلى استخدام هذه الآلية، التي تسمح باتخاذ تدابير انتقامية - كحظر استثمارات معينة، ومنع خدمات محددة، وفرض ضرائب جديدة، وتقييد الوصول إلى المشتريات العامة - ضد دولة ثالثة تستخدم الابتزاز الاقتصادي للحصول على تنازلات من أوروبا. ويوضح أحد الدبلوماسيين: «هنا، كان ترامب يهاجم سلامة أراضينا. إنه خط أحمر بكل معنى الكلمة». وصرحت ميتي فريدريكسن: «عندما لا تكون أوروبا منقسمة، عندما نكون متحدين، واضحين، وحازمين، بما في ذلك في تصميمنا على الدفاع عن أنفسنا، فإن النتائج ستكون حاضرة». وصرحت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية: «باختصار، اتبعنا أربعة مبادئ أساسية: الحزم، والتواصل، والاستعداد، والوحدة. وقد أثبت هذا النهج فعاليته، لذا يجب علينا الحفاظ عليه في المستقبل» .
مكّنت هذه الوصفة الدول الأعضاء الـ 27 من التفاوض بنجاح على شروط انسحاب المملكة المتحدة في نهاية عام 2020، لكن من الصحيح أنها غالبًا ما تواجه صعوبة في الالتزام بها. وقد لخص المستشار الألماني فريدريش ميرز الأمر قائلاً: «الوحدة والعزيمة من الجانب الأوروبي يمكن أن تُحدث الفرق». وأضاف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك: «لقد كان لها تأثير معتدل على قرارات أو نوايا إدارة واشنطن». ويوضح مسؤول أوروبي رفيع المستوى: «إذا ضغطت الأوساط التجارية والأسواق الأمريكية على ترامب للتراجع، فذلك أيضًا لأنهم اعتقدوا أن الرد الأوروبي كان ذا مصداقية». ولا يوجد ما يضمن أن العزيمة التي أبدتها الدول الأعضاء الـ 27 بشأن غرينلاند ستصمد أمام تهديدات أقل خطورة. وقد صرّح رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، لكنه يريد أن يصدق ذلك: يمتلك الاتحاد الأوروبي «الأدوات اللازمة» لحماية نفسه من «أي شكل من أشكال الإكراه». «وسيفعل ذلك إذا وحينما يكون ذلك ضرورياً».