رغم اكتسابها معرفة دقيقة بالعلاقات الدولية:

هونغ كونغ: عجز الصين على التناغم مع الرأي العام

25 يونيو 2019 المصدر : •• الفجر - ريتشارد أرزت - ترجمة خيرة الشيباني تعليق 213 مشاهدة طباعة
-- كفاءة كوادرها، تجعل من الإقليم ممرا أساسا للعلاقات التجارية بين الصين وبقية العالم
-- الصين قادرة على التأثير، وعاجزة على توقّع رد
-- هناك فجوة هائلة بين تصور الصين للعالم وبين حقيقته
-- في جميع مراحل تاريخ الصين كان التدفق التجاري الحقيقي الوحيد بين الصين والغرب هو هونغ كونغ
-- يدرك قادة بكين أن هونغ كونغ ضرورة بالنسبة للصين بأكملها 
-- مخاض هونغ كونغ  قد  يضع  مولودا مزعجا لبكين في تايوان
 
سؤال يُطرح بخصوص هونغ كونغ: من كان وراء فكرة إعداد قانون يسمح بتسليم المطلوبين إلى بلدانهم الأصلية؟ لا يوجد في هونغ كونغ اتفاقيات لتسليم المطلوبين، ومن الوارد أن بعض الدول الآسيوية ، مثل إندونيسيا أو تايلاند ، طلبت من حكومة هونغ كونغ تقديم نص بهذا المعنى. فالمسألة بالنسبة للدول المجاورة هذه، تعني استرداد بعض مواطنيها الضالعين في معظم الأحيان في حالات الجنوح المالي. والذين يهربون حاليا ، من خلال اللجوء إلى هونغ كونغ ، من المحاكمة.بدأت معالجة الملف من قبل فرق كاري لام، الرئيس التنفيذية للإقليم. وكان القصد دراسة القانون من طرف المجلس التشريعي، الذي يعتمد نظام تصويت معقد، وحيث يمثّل مؤيدو التقارب مع الصين الشعبية، الأكثرية.

سرعان ما أدركت سلطات بكين أن هذا الإجراء سيسمح بترحيل المطلوبين إلى جمهورية الصين الشعبية. من هنا، تمت صياغة مقصد النص بمهارة، فلا أثر لمسألة السماح بتسليم المطلوبين إلى الصين.   ولكن، حدث أنه في هونغ كونغ ، قتل تايواني صديقته، وسيسمح القانون قيد الإعداد بتسليمه إلى تايوان.
 
 ما يعني ضمنيا أنه في المستقبل، إذا ما تكررت الحالة، يمكن أن يتم إرسال المطلوب الصيني بالمثل إلى الصين الشعبية، لأنه، حسب بكين، تايوان جزء من الصين.
 
قلق بشأن احتمالات التسليم
أثارت هذه الإستراتيجية الدقيقة قلق أهالي هونغ كونغ: هل سيمكن تسليم أحد سكان الإقليم الذي يعبر عن ملاحظات مهينة تجاه النظام الشيوعي؟ لقد سبق أن تم عام 2015 اختطاف أصحاب مكتبات تبيع كتبًا معادية أو ساخرة عن قادة بكين، واحتجازهم في الصين لبضعة أشهر. وكان عليهم ممارسة نقد ذاتي قبل أن يتمكنوا من العودة إلى هونغ كونغ. بالإضافة إلى ذلك، تم عام 2017 ، إعادة شياو جيان هوا، الملياردير الصيني الذي كان يقيم في فندق في هونغ كونغ، قسراً إلى البر القاري بواسطة عملاء من الصين.

إنّ خطر تكريس القانون قيد الإعداد لهذا النوع من الاختطاف، دفع في بداية شهر يونيو محامي هونغ كونغ إلى التحذير من عدم وجود ضمانات قضائية تحيط باحتمالات التسليم. كما أعربت عدة غرف تجارية أوروبية مقيمة في هونغ كونغ عن قلقها. وسرعان ما اندلعت مظاهرات ضخمة في شوارع المدينة في 9 و 16 و 17 يونيو ، جمعت مدا بشريا تجاوز المليون شخص. علما أنّ عدد سكان هونغ كونغ يبلغ 7.3 مليون نسمة.    وطالبت الشعارات المرفوعة بسحب “القانون الشرير”. قدمت كاري لام “اعتذارًا”، وفي 15 يونيو، تم تعليق المصادقة على النص وتعليقه إلى أجل غير مسمّى. غير أن هذه الخطوة لم تمنع تنظيم مظاهرات جديدة.
 
الحزب الشيوعي
 تجاوزته الأحداث ؟
لم يكن ممكنا اتخاذ قرار صياغة هذا القانون دون أن تتشاور كاري مع بكين. لكن هل قدّرت سلطات الحزب الشيوعي، المكلفة بمراقبة سير عمل هونغ كونغ، تبعات هذا النص وما قد يثيره؟ يشكك جان فرانسوا دي ميغليو ، رئيس معهد الأبحاث وسط - آسيا، عندما يقول: “هناك فجوة هائلة بين تصور الصين للعالم، وبين ما هو عليه العالم حقًا. لقد اكتسبت الصين معرفة غير عادية بالعلاقات دولية، فهي قادرة على التأثير، إلا أنها عاجزة على توقّع رد فعل الرأي العام «.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يعبّر فيها أهالي هونغ كونغ عن قلقهم، إذ يساور سكان المستعمرة البريطانية السابقة شكوك عميقة حول ما يمكن أن يفعله نظام بكين. ويُشتبه في أن هذا الأخير، يريد التدخل في شؤون هونغ كونغ من أجل السيطرة تدريجياً.. والحوادث في هذا الإطار تتضاعف.

في يوليو 2018 ، تم طرد أربعة نواب من برلمان هونغ كونغ لعدم امتثالهم للوائح الصادرة عن الجمعية الشعبية لبكين. وعندما حكمت محكمة في هونغ كونغ على سبعة من ضباط الشرطة بتهمة العنف ضد المتظاهرين، أدى هذا القرار إلى حملة في الصحافة الصينية ضد عدالة هونغ كونغ.

ومن وقت لآخر، تندلع مظاهرات نتيجة لمثل هذه الأحداث. عام 2003، منع الاحتجاج من اعتماد قانون لمكافحة التخريب أن يهدف إلى تعزيز السيطرة على السكان. عام 2014، تمت ملاحقة “حركة المظلات” على نطاق واسع بوسط المدينة المزدحم طيلة شهرين تقريبًا. وكان هدف التحرّك هو الحصول على مزيد من الديمقراطية. وبدعم من بكين ، رفضت سلطات هونغ كونغ بوضوح، بل وسجنت أبرز قادة الحراك.

الجديد، مع أخبار شهر يونيو هذا، هو أن المطلوب، ليس تغيير المؤسسات لضمان الحريات، وإنما المسألة، تحديداً، وقف ممارسات حكام هونغ كونغ واتهامهم بالطاعة والتبعية بشكل صارخ لتوجيهات بكين. ففي كل مظاهرة، تتم المطالبة باستقالة كاري لام.
 
بلد واحد، ونظامان
تجد السلطة الشيوعية صعوبة في فهم واعتبار ماهية هونغ كونغ، خاصة لأن النظام الأساسي للمدينة ليس دقيقا بما فيه الكفاية. لقد تم وضعه عندما أعاد الإنجليز هذه المدينة التي مُنحت لهم عام 1897 لفترة تمتد قرنا. وفي نفس الحقبة تقريبًا، عام 1899، حصل البرتغاليون أيضًا على امتياز ماكاو لمائة عام. في حين مُنحت فرنسا امتيازًا لمنطقة إلى الشمالً سمّيت فور بايار، ولكنها نُسيت، لان السلطات الفرنسية أهملتها ولم تعمل على تطويرها أبدًا.   

عام 1984 ، أثناء زيارتها للصين، أعلنت مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية، أنها تريد عودة هونغ كونغ إلى الصين. تفاجأ محاورها ، دنغ شياو بينغ ، الرجل الصين القوي حينها، وكان جليّا أن الحكومة الصينية لم تكن تتوقع هذه الخطوة.كما كان واضحا، أيضا، أن البريطانيين يعدُّون أنهم لم يعودوا بحاجة لإدارة مساحة تبلغ 1،106 كيلومترًا مربعًا، هونغ كونغ، غرب مصب نهر اللؤلؤ. ناطحات السحاب عديدة، علامة على ازدهار المناطق التجارية.ربما كان من الأفضل تصوّر أن تشرف هيئات دولية - وخاصة الأمم المتحدة - على إعادة هونغ كونغ، لكن، في مواجهة الصين، لم تطالب بريطانيا بضمانات باستثناء اعتماد فترة مدتها خمسين عامًا تحتفظ خلالها المنطقة بوضع الحكم الذاتي.

في التسعينات، كان هناك شعور في لندن بأنّ الصين ستتطور إلى نموذج ديمقراطي. وتم توقيع “الإعلان المشترك”، الذي يحدد نهاية عقد الإيجار، في عام 1984 من قبل بريطانيا والصين. واقرّ الإعلان صراحة، ودون التباس، الحفاظ على الاقتصاد الرأسمالي في الإقليم من عام 1997 إلى عام 2047. لذلك تطبق الصين الشعبية في هونغ كونغ صيغة “دولة واحدة ونظامان”، والبلد هو الصين. وينطبق هذا أيضًا على ماكاو، التي أعادتها البرتغال عام 1999.
 
ممر أساسي
تدرك هونغ كونغ أنها تلعب اليوم، كما لعبت بالأمس، دورًا اقتصاديًا كبيرًا. إن النظام الليبرالي الذي يسيطر على المدينة ومهارة دوائرها المالية والتجارية وكفاءة كوادرها، تجعل من هونغ كونغ ممرا أساسيا للعلاقات التجارية بين الصين وبقية العالم.هذا الدور موجود في جميع مراحل تاريخ الصين، حتى في الستينات عندما كانت الثورة الثقافية على قدم وساق، كان التدفق التجاري الحقيقي الوحيد بين الصين والغرب هو هونغ كونغ.واليوم، رغم أنه لا يمكن إنكار تحديث الصين، فإن هذه الوظيفة الاقتصادية مستمرة، وتجعل من هونغ كونغ، واحدة من المراكز المالية الرائدة في العالم، بعد نيويورك، لندن، أو فرانكفورت.

ويدرك قادة بكين جيدًا، أن هونغ كونغ ضرورة بالنسبة للصين بأكملها. وفي كل الأحوال، أنهم فشلوا في جعل شنغهاي مكانًا معادلًا لها. بالإضافة إلى ذلك ، خلال الأسبوعين الماضيين، أخبر اتحاد رجال أعمال هونغ كونغ بكين، أن إثارة سخط واسع مثل الذي يحدث هذه الأيام، سيضرّ بالبزنس.أخيرًا ، تسببت مشاكل هونغ كونغ، في إحراج حكومة شي جين بينغ ، التي يتعين عليها، على غرار أولويات أخرى، أن تتعامل حاليًا مع تباطؤ الاقتصاد الصيني الذي تفاقم بسبب العلاقة الصعبة مع أمريكا دونالد ترامب.

إنّ النهج الذي اختارته بكين ربما يقضي بتفادي تفاقم الوضع في هونغ كونغ. وبالتأكيد، يصعب فرض رحيل كاري لام. خلال المظاهرة الأخيرة ، ذهبت - كما ذكرت صحف هونغ كونغ - إلى شنتشن ، أقرب مدينة صينية إلى هونغ كونغ، والتقت وسط تكتم شديد، بهان تشن ، نائب رئيس مجلس الدولة الصيني المسؤول عن المناطق الاقتصادية الخاصة. ولعل في تلك اللحظة، تقرر أن تعتذر الرئيسة، وتأجيل النظر في القانون.. لكن لا يبدو أنه طُلب منها الاستقالة.

نتيجة أخرى لأحداث هونغ كونغ قد تهم تايوان. من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في يناير 2020 ، وقد يكون الانطباع السلبي، الناجم عن الأحداث في هونغ كونغ، مؤيدًا لإعادة انتخاب تساي إنغ ون، الرئيسة المؤيدة لاستقلال الجزيرة عن الصين، هي التي تريد بكين إسقاطها في تلك الانتخابات. 
 
أخطاء جسيمة
إجمالاً ، يبدو أن مشروع القانون الذي كان يتم إعداده في هونغ كونغ، بمثابة خطأ جسيم. أنه يتعارض مع صورة الانفتاح على التجارة الدولية التي تحاول الصين تطويرها، خاصةً مع “طرق الحرير”. وما يحدث في هونغ كونغ، يزعج بكين إلى درجة أن وسائل الإعلام الصينية لا تتحدث عنه باستثناء الصحف المنشورة باللغة الإنجليزية من قبل الصين، والمخصصة لقراء الغرب. وقد اكتفت تشاينا ديلي، بتكرار أن الأحداث في هونغ كونغ “يتم توظيفها من قبل الأجانب”، بينما تشرح غلوبال تايمز، أنه من الضروري منع هونغ كونغ من أن تصبح “جنة المجرمين».

في الحد الأدنى، يبدو أنّ قادة الصين حريصون على السيطرة على ما يحدث في المنطقة الاقتصادية الخاصة. في بكين، ربما لا يتحمّل المكتب السياسي للحزب الشيوعي رؤية تلك الرغبة في الحرية المعبّر عنها في هونغ كونغ، وعلى النقيض ، في هونغ كونغ ، أثبتت المظاهرات مرة أخرى أن الشعب يريد الحفاظ على نظام الحريات المدنية في معارضة تامة لما يمارس في الصين.    إلى هذا، يضيف جان فرانسوا دي ميغليو: “يمكن أن يتشكل لدينا انطباع بأنّ بكين ترغب في تسريع عودة هونغ كونغ.. غير انه لا وجود لأي دليل.

ولكن، لماذا لا تنتظر بهدوء، لماذا هذه العصبية؟ أليست الصين هي الزمن، والصبر.. لماذا لا تنتظر بهدوء الثلاثين عامًا المتبقية؟»    في كل الأحوال، ساهمت بكين في إنزال واحد من كل سبعة من سكان هونغ كونغ إلى الشارع ، وسيكون من الضروري إجراء تغيير عميق في الخط السياسي لنظام بكين تجاه هونغ كونغ، سواء من أجل أن تستعيد الصين ثقة المنطقة الاقتصادية الخاصة، أو من أجل تحسين صورتها الدولية. وإذا لم يظهر أي تصحيح للسلوك الصيني ، فإن كل شيء قائم لاندلاع اضطرابات أخرى في هونغ كونغ خلال الثلاثين عامًا القادمة.
 
 
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      8868 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      9814 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      9534 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      68229 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      61410 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      40797 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      39911 مشاهده