«الإبهام المرفوع».. هل أنقذت جذور روبيو الإيطالية ما «أفسده» ترامب؟

«الإبهام المرفوع».. هل أنقذت جذور روبيو الإيطالية ما «أفسده» ترامب؟


في مشهد يختصر تعقيدات المرحلة، وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى روما حاملًا في حقيبته أثقل الملفات وأكثرها حساسية: حرب إيران، ومضيق هرمز، ولبنان، والرسوم الجمركية، والعلاقة المتوترة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والبابا ليون الرابع عشر. 
زيارة وُصفت رسميًا بـ»المجاملة»، لكنها في حقيقتها اختبار حقيقي لمتانة الحلف الأطلسي في وقت يشهد تصدعًا غير مسبوق في العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

ميلوني تتحدث 
صراحة لروبيو
خلف الابتسامات الدبلوماسية في قصر كيجي، جرى حديث آخر أشد مرارة، فبحسب ما كشفته «إيل غازيتينو»، أبدت رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني شكواها لروبيو في لقاء امتد نحو ساعة وأربعين دقيقة، إذ عدّدت على أصابعها الثمن الذي دفعته بسبب ولائها لترامب: الرسوم الجمركية، ومطالب الإنفاق الدفاعي التي قد تبلغ 5% من الناتج المحلي، والحرب على إيران التي اندلعت دون علمها المسبق، فضلًا عن ارتفاع أسعار الغاز والبنزين.  وبحسب الصحيفة الإيطالية، قالت ميلوني بوضوح: لقد فعلتُ كل هذا للحفاظ على الوحدة والتماسك»، مضيفةً أن المرحلة المقبلة تستوجب «التفاهم على كيفية إدارة العلاقة بين روما وواشنطن». من جانبه، أصغى روبيو الذي يعرف أكثر من غيره معنى العيش على وقع أمزجة الرئيس ترامب المتقلبة، دون أن يتخذ مواقف قاطعة.

قاعدة سيغونيلا
 وثمن الاستقلالية
السبب المباشر لتدهور العلاقات كشفه تقرير «لوفيغارو»، حيث رفضت روما السماح لقاذفتين أمريكيتين بالعبور عبر قاعدة سيغونيلا الجوية في صقلية في طريقهما لضرب إيران. 
القرار اتخذته ميلوني تحت وطأة المعارضة الشعبية المتنامية، وسط استطلاعات تشير إلى أن 80% من الإيطاليين يحملون صورة سلبية جدًا عن ترامب الذي جاء رده صاعقًا: كنتُ أظن أنها تمتلك شجاعة، لكنني أخطأتُ»، وتبعتها تهديدات بإغلاق القواعد الأمريكية السبع في إيطاليا وسحب نحو 13 ألف جندي.

ترميم ما كسره 
ترامب مع البابا
قبل لقاء ميلوني، توجّه روبيو، الكاثوليكي المتدين، إلى الفاتيكان في خطوة ذات رمزية كبيرة، فقد سبق لترامب أن هاجم البابا ليون الرابع عشر، أول حبر أعظم أمريكي المولد في التاريخ، واتهمه بـ»تعريض الكاثوليك للخطر» بسبب موقفه من إيران. 
ردّ البابا جاء هادئًا لكن حازمًا من قلعة غاندولفو: على من ينتقدني لإعلاني الإنجيل، فليفعل ذلك بصدق، الكنيسة تتحدث منذ سنوات ضد الأسلحة النووية».
بحسب «واشنطن بوست»، استمر لقاء روبيو مع البابا نحو 45 دقيقة، تناول خلالها ملفات الشرق الأوسط وحرية الدين وإيران وكوبا. وأشار روبيو إلى أن الولايات المتحدة قدمت 6 ملايين دولار مساعدات إنسانية لكوبا عبر منظمة كاريتاس الكاثوليكية، وأن واشنطن عرضت 100 مليون دولار إضافية رفضت هافانا استقبالها. وبعد اللقاء، أبقى روبيو الباب مفتوحًا أمام اتصال محتمل بين ترامب والبابا قائلًا» ربما، قد يحدث». غير أن تقرير «واشنطن بوست» رصد حدود هذا الانفراج، فحين سُئل روبيو إن كان سينصح ترامب بالكف عن انتقاد البابا، أجاب بصراحة «الرئيس سيتحدث دائمًا بوضوح عما يشعر به، وسيتصرف دائمًا وفق ما يصب في مصلحة الولايات المتحدة».

هرمز.. الهوة بين روما وواشنطن
على طاولة المباحثات، برز ملف مضيق هرمز بوصفه أشد نقاط الخلاف حساسية. وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أعلن أن روما مستعدة لإرسال كاسحات الألغام، لكن «بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر، وفي إطار دولي متعدد الأطراف، وبعد المرور بالإجراءات البرلمانية اللازمة». في المقابل، كان خطاب روبيو من روما نفسها أكثر حدةً بما لا يُقاس، فبحسب إحدى وكالات الأنباء الإيطالية «أدكرونوس»: «الخط الأحمر واضح، إن هددوا الأمريكيين، سنفجّرهم. لا يمكن أن نكون أوضح من هكذا»، وأضاف «إن كانت إحدى الأسباب لعضوية الولايات المتحدة في الناتو هي إمكانية نشر قواتها في أوروبا لاستخدامها في حالات الطوارئ، وهذا لم يعد ممكنًا لدى بعض الأعضاء، فهذه مشكلة يجب معالجتها».

تاياني يُعيد 
صياغة التوازن
كانت الجملة السياسية الأبرز يوم الزيارة من نصيب وزير الخارجية تاياني، الذي قال عقب لقائه بروبيو: أوروبا تحتاج إلى أمريكا، وإيطاليا تحتاج إلى أمريكا، لكن الولايات المتحدة أيضًا تحتاج إلى أوروبا وإلى إيطاليا»، وهي صياغة تعكس مساعي روما لإعادة رسم العلاقة الأطلسية على قاعدة الندية لا التبعية. كما تطرق تاياني إلى ملف الرسوم الجمركية مؤكدًا: لا نريد حروبًا تجارية، نؤيد قيام سوق كبيرة بين أوروبا والولايات المتحدة وكندا والمكسيك».
 وفي خضم كل هذه الملفات، جدّد روبيو الإشادة بالدور الإيطالي في لبنان، معترفًا بأن روما تملك خبرة ميدانية لا يُستهان بها. وبحسب صحيفة «إيل تيمبو»، قال الوزير الأمريكي: إيطاليا تستطيع أن تقدم أكثر بفضل خبرتها وحضورها في الميدان لتعزيز مؤسسات الجيش اللبناني»، وقد جاء هذا الإعلان في اليوم الذي سقط فيه صاروخ قرب قاعدة شاما، مقر الكتيبة الإيطالية بقوة اليونيفيل.
كما تناول الجانبان الملف الليبي، حيث يتمتع الإيطاليون بنفوذ تاريخي، وأشارت التقارير إلى أن اتصالات دبلوماسية ستُستأنف في الأيام المقبلة.
أصول بيمونتية
 وهدايا لافتة
لم تخلُ الزيارة من لمسات إنسانية أضافت دفئًا بروتوكوليًا، إذ سلّم رئيس إقليم بيمونتي ألبرتو سيريو وعمدة مدينة كازالي مونفيراتو لروبيو شجرة عائلته الإيطالية، مع وثائق تثبت جذوره في شمال غرب إيطاليا. 
وقد أعرب الوزير عن سعادته قائلًا إن هذا «سيكون سببًا إضافيًا للعودة»، واعدًا بأن يُلقي خطابه التالي في إيطاليا باللغة الإيطالية. أما هدايا القمة فكانت لافتة بدلالاتها إذ أهدى روبيو البابا ليون كرة قدم أمريكية من الكريستال تحمل شعار وزارة الخارجية، فأعاد إليه البابا قلمًا مصنوعًا من خشب شجرة الزيتون، نبتة السلام كما وصفها الحبر الأعظم.
أما الزيارة فقد انتهت دون إعلانات دراماتيكية، لم يُناقش روبيو صراحةً مسألة سحب القوات الأمريكية، تاركًا الكلمة الفصل لترامب، ونفى مكتب ميلوني تقارير عن زيارة وشيكة لها إلى واشنطن، فيما أشار المقربون منها إلى أن «الأجدى البقاء بعيدًا عن الأضواء قبل انتخابات التجديد النصفي».
روبيو غادر روما برفع إبهامه في الهواء، كما نقلت «إيل تيمبو» عن الصورة التي التقطت له على سلّم الطائرة، لكن الثلج الذي يفصل روما عن واشنطن لم يذُب بعد.