«لا أموال للإرهاب».. فرنسا ترفع سقف المواجهة مع «الإخوان»
تشهد فرنسا خلال الأيام المقبلة تصعيدًا غير مسبوق ضد شبكات التمويل المرتبطة بجماعة الإخوان الارهابية، بالتزامن مع استعداد باريس لاستضافة المؤتمر الوزاري الدولي الخامس «لا أموال للإرهاب»، وسط تحركات سياسية وأمنية فرنسية تستهدف تشديد الرقابة على الجمعيات والكيانات التي يُشتبه في استخدامها كواجهات لنشاط التنظيم داخل أوروبا.
وبحسب مصادر حكومية مطلعة لـ«إرم نيـــــوز»، فــــــإنّ المؤتمــــر المرتقب يتجه إلى صياغة «بروتوكولات تقنية غير مسبوقة» تستهدف تتبع الحوالات المالية والعملات الرقمية، وتشديد الرقابة على المنظمات غير الحكومية والجمعيات التي تُستخدم كغطاء لتمويل أنشـــطة الجماعة، في خطوة توصف بأنها قد تمثل «ضربـة قاصمـــــة» لشبكات التمويل التابعة للتنظيم حول العالم.
يأتي ذلك بالتوازي مع حراك تشريعي متسارع داخل فرنسا لمواجهة ما تصفه السلطات بـ«تغلغل الإسلام السياسي»، في ظل تنامي المخاوف الرسمية من توسع نفوذ الجماعة داخل المجتمع الفرنسي عبر العمل الجمعياتي والتعليمي والديني.
توحيد
آليات المواجهة
ومن المقرر أن يستضيف مؤتمر «لا أموال للإرهاب» أكثر من 80 وفدًا دوليًا من حكومات ومنظمات معنية بمكافحة تمويل الإرهاب، ضمن مساعٍ فرنسية لتوحيد آليات المواجهة المالية ضد التنظيمات المتطرفة والشبكات العابرة للحدود.
ووفق ما أعلنه معهد الدراسات السياسية في باريس عبر موقعه الرسمي، فإنّ المؤتمر سيركز على التحولات الجذرية في مشهد تمويل الإرهاب العالمي، خاصة مع تصاعد استخدام الابتكارات التكنولوجية والعملات الرقمية وأنظمة التحويل غير الرسمية في نقل الأموال بعيدًا عن أعين السلطات الرقابية.
كما ستناقش الوفود المشاركة الروابط المتنامية بين الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب، وآليات التمويل التي تعتمد عليها التنظيمات ذات الامتداد الإقليمي، في وقت تسعى فيه باريس إلى الدفع نحو نظام دولي أكثر صرامة لمراقبة التدفقات المالية المشبوهة وتجفيف منابع التمويل المرتبطة بالتنظيمات الأيديولوجية المتشددة.
قلق في دوائر الإخوان
كشفت مصادر مطلعة عن حالة من القلق والارتباك تسود دوائر مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية في أوروبا والشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من أن تتحول مخرجات مؤتمر باريس إلى آليات دولية ملزمة تُطبقها البنوك والمؤسسات المالية الكبرى، بما يؤدي إلى تضييق واسع على استثمارات الجماعة الإرهابية وشبكاتها الاقتصادية العابرة للحدود. وأكدت المصادر أنّ الجماعة تنظر إلى التحركات الفرنسية الحالية باعتبارها الأخطر منذ سنوات، خصوصًا مع اتجاه باريس لربط ملف تمويل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية بملف «التغلغل الأيديولوجي» داخل المجتمع الفرنسي.
وبحسب المصادر، فإنّ التوصيات المنتظر صدورها عن المؤتمر قد تشمل إجراءات متقدمة لتتبع أنظمة «الحوالة» والتحويلات غير الرسمية، إلى جانب مراقبة استخدام العملات الرقمية في نقل الأموال بين الشبكات المرتبطة بالتنظيمات المتشددة.
كما تتجه النقاشـــــات، وفــــــق المصادر ذاتها، نحو اســــــتهداف ما يُعرف بـ«الوكلاء المحليين» الذين يتحركون عبر واجهات اقتصادية وتجارية أو أنشطة خيرية وتعليمية، في إطار مساعٍ فرنسية وأوروبية لإغلاق الثغرات التي استغلتها جماعات الإسلام السياسي خلال السنوات الماضية لبناء نفوذ مالي وتنظيمي داخل القارة الأوروبية.
الحكومة الفرنسية:
الخطر لم يعد أمنيًا فقط
وفي تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أكد مصدر مسؤول في وزارة الثقافة الفرنسية، أنّ مشروع قانون مكافحة «تغلغل الإسلام السياسي» يأتي في إطار حماية مبادئ الجمهورية وتعزيز الأمن الوطني، في ظل ما تصفه باريس بتنامي أنشطة جماعات تسعى إلى بناء «مجتمعات موازية» والتأثير على المؤسسات المحلية والجمعيات والفضاءات التعليمية والدينية داخل فرنسا.
وأوضح المصدر أنّ السلطات الفرنسية باتت ترى أنّ التهديد لم يعد يقتصر على التطرف العنيف أو العمليات الإرهابية التقليدية، بل يمتد إلى ما تعتبره محاولات منظمة لاستغلال العمل الجمعياتي والديني والتربوي للتأثير التدريجي على المجتمع الفرنسي بما يتعارض مع قيم العلمانية والمواطنة والمساواة أمام القانون.
وأضاف أنّ مشروع القانون يستهدف بصورة مباشرة تشديد الرقابة على التمويلات الأجنبية للجمعيات والمساجد، ومكافحة أي محاولات للتأثير على المؤسسات العامة أو العملية التعليمية خارج إطار القوانين الجمهورية، إلى جانب منع استغلال الدين لأهداف سياسية أو تنظيمية تهدد وحدة الدولة الفرنسية.
وأشار إلى أنّ المشروع يمنح السلطات صلاحيات أوسع لتجميد أصول الجمعيات والكيانات التي يثبت تورطها في أنشطة معادية لمبادئ الجمهورية أو تلقي تمويلات مشبوهة، عبر إجراءات قانونية وإدارية تخضع لرقابة القضاء الفرنسي.
كما شدد على أنّ الحكومة الفرنسية تعتبر جماعة الإخوان الارهابية، وفق تقارير أمنية ورسمية، نموذجًا لما تصفه بـ«الإسلام السياسي المنظم» القائم على التغلغل التدريجي داخل المجتمع عبر شبكات الجمعيات والتعليم والعمل المحلي، بما يمثل تهديدًا طويل الأمد للنظام الجمهوري الفرنسي.