«الدار» و«بيورهيلث» تتعاونان لتطوير مجتمعات تعزز العافية والحياة الصحية في أبوظبي
«لن نكرر خطأ الصين».. رسالة أمريكية تربك نيودلهي
تشهد العلاقات الأمريكية-الهندية تحولًا لافتًا بعد سنوات من التقارب الاستراتيجي الذي اعتبر نيودلهي شريكًا رئيسيًا في مواجهة صعود الصين. فمع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يعد صعود الهند يُنظر إليه باعتباره مكسبًا جيوسياسيًا خالصًا لواشنطن، بل أصبح يُقاس أيضًا بمدى تأثيره على المصالح الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية.
ويشير خبراء إلى أن السياسة الأمريكية الجديدة تعكس مراجعة أوسع لطبيعة الشراكة مع الهند، تقوم على مبدأ عدم السماح بتكرار التجربة التي أدت إلى صعود الصين كمنافس اقتصادي وصناعي للولايات المتحدة، وهو ما ينعكس في الخطاب الرسمي والإجراءات التجارية والعسكرية التي اتخذتها واشنطن خلال الفترة الأخيرة.
تحول استراتيجي
على مدى نحو 25 عامًا، تبنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة سياسة تقوم على دعم الهند اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، باعتبارها أكبر ديمقراطية في العالم وقوة قادرة على تحقيق توازن استراتيجي في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في آسيا. غير أن هذا التوجه بدأ يتغير مع تصريحات نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، الذي أكد خلال زيارة إلى نيودلهي أن الولايات المتحدة «لن تكرر خطأها مع الصين»، في إشارة إلى أن واشنطن لم تعد مستعدة لدعم توسع اقتصادي قد يمنح الهند مستقبلًا قدرة على منافسة الولايات المتحدة في الأسواق العالمية.
ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، إذ لم يعد صعود الهند يُنظر إليه بوصفه مصلحة أمريكية مطلقة، وإنما باعتباره مسارًا ينبغي إدارته بحذر حتى لا يتحول إلى مصدر منافسة اقتصادية وتكنولوجية. ويتجلى هذا التحول أيضًا في القرار الأخير لوزارة الدفاع الأمريكية بحذف كلمة «الهند» من مصطلح «المحيطين الهندي والهادي»، وهو تغيير اعتبره الخبراء أكثر من مجرد تعديل لغوي، بل رسالة تعكس إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية الأمريكية، في ظل توجه واشنطن نحو إدارة علاقتها مع بكين بصورة مباشرة، بالتوازي مع تراجع الدور الذي كانت تمنحه للهند في معادلة التوازن الإقليمي. كما يتزامن ذلك مع إشارات متكررة من الرئيس دونالد ترامب إلى فكرة التعاون المباشر بين الولايات المتحدة والصين في إدارة القضايا الدولية، وهو ما يعكس رؤية مختلفة عن النهج الذي اعتمد على شبكة واسعة من الشركاء الإقليميين.
رسائل أمريكية جديدة
لم تقتصر التحولات على الخطاب السياسي، بل امتدت إلى السياسات الاقتصادية والدفاعية.
فقد فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على الصادرات الهندية، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة تؤكد أن سياسة «أمريكا أولًا» تشمل حتى الشركاء الاستراتيجيين، وأن العلاقة مع نيودلهي أصبحت تُقاس بصورة متزايدة بمنطق المصالح التجارية.
وفي المجال الدفاعي، واجه مشروع نقل تكنولوجيا محركات الطائرات النفاثة المتقدمة بين شركة «جنرال إلكتريك» الأمريكية وشركة «هندوستان للملاحة الجوية» الهندية عراقيل متزايدة، رغم أن الاتفاق كان يُنظر إليه باعتباره محطة تاريخية في تطوير صناعة الطيران العسكري الهندية.
وكان المشروع يستهدف تزويد برامج المقاتلات الهندية المحلية، ومنها «تيجاس Mk1A» و»تيجاس Mk2» والطائرة المقاتلة المتوسطة المتقدمة، بمحركات متطورة مع نقل جانب من التكنولوجيا، إلا أن تعثر عمليات التسليم أدى إلى تأخير إنتاج المقاتلات، وترك عددًا من الطائرات دون أنظمة دفع.
وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط على القوات الجوية الهندية، التي تعمل بعدد أسراب أقل من المستوى المطلوب لمواجهة التحديات الأمنية على الحدود مع كل من الصين وباكستان.
ويرى المحللون أن هذه التطورات تعكس ترددًا أمريكيًا متزايدًا في نقل تقنيات قد تمنح الهند استقلالية صناعية وعسكرية على المدى الطويل، بما يسمح لها بالمنافسة في الصناعات المتقدمة.
تداعيات إقليمية
ومستقبل الشراكة
امتدت ملامح التحول الأمريكي إلى البيئة الإقليمية المحيطة بالهند، حيث باتت نيودلهي ترى أن واشنطن لم تعد تراعي بالدرجة نفسها المصالح الأمنية الهندية في جنوب آسيا.
ففي بنغلاديش، اعتبرت الهند أن التطورات التي شهدتها البلاد بعد الإطاحة بحكومة الشيخة حسينة خلقت تحديات أمنية جديدة على حدودها، بينما تنظر بقلق إلى السياسات الأمريكية تجاه ميانمار، التي ترى أنها أسهمت في زيادة حالة عدم الاستقرار على حدودها الشمالية الشرقية. وفي المقابل، أثار تنامي التعاون العسكري الأمريكي مع باكستان، بما في ذلك تحديث أسطول مقاتلات «إف-16» وتعزيز العلاقات الدفاعية، مخاوف داخل الأوساط السياسية الهندية، التي ترى في هذه الخطوات عودة إلى سياسة موازنة القوى في شبه القارة الهندية.
ويخلص الخبراء إلى أن واشنطن لا تستهدف احتواء الهند كما تفعل مع الصين، لكنها تسعى إلى صياغة شراكة أكثر حذرًا، تسمح للهند بالقيام بدور إقليمي في مواجهة بكين، مع الحد في الوقت نفسه من فرص تحولها إلى منافس اقتصادي وتكنولوجي عالمي.
وبذلك، تبدو العلاقة بين البلدين مقبلة على مرحلة جديدة يغلب عليها الطابع البراغماتي، حيث لم يعد الهدف الأمريكي يقتصر على دعم صعود الهند، بل أصبح يرتبط بإدارة هذا الصعود بما يتوافق مع أولويات الولايات المتحدة الاقتصادية والاستراتيجية، وهو تحول قد يعيد رسم ملامح الشراكة بين الجانبين خلال السنوات المقبلة.