«أغذية» تستعرض جهودها في تعزيز الأمن الغذائي خلال «اصنع في الإمارات 2026»
اختبار تاريخي لأوروبا.. قرار ترامب يُجبر التكتل على تعزيز دفاعه الذاتي
فتح قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفض الوجود العسكري في ألمانيا بخمسة آلاف جندي، مع تلويحه بخفض أوسع، بابًا أوروبيًّا ثقيلًا على اختبار القدرة الدفاعية الذاتية، إذ طلب الناتو توضيحات إضافية من واشنطن، وعبّر مشرعون أمريكيون عن خشية واضحة من إضعاف الردع في القارة.
فيما اختارت برلين عبر دعوة وزير الدفاع بوريس بيستوريوس الأوروبيين إلى تحمّل مسؤولية أكبر في أمنهم، مع تشديده على أن الوجود الأمريكي في ألمانيا يخدم مصالح واشنطن وبرلين وأوروبا معًا، لتتحول الخطوة إلى ضغط مباشر على قدرة التكتل في تعويض أي تراجع أمريكي متدرج من دون فتح شروخ أعمق بين عواصمه.
فجوة الجاهزية الأوروبية
في حين تبدو ألمانيا مركز الضغط في هذا الملف لأنها تستضيف إحدى أعقد البنى العسكرية الأمريكية في أوروبا، من القوات والقواعد إلى مراكز القيادة والإسناد اللوجستي والعملياتي المرتبط بحركة الجيش الأمريكي داخل القارة وخارجها، لذلك يضع خفض خمسة آلاف جندي برلين أمام حسابات أمنية دقيقة، خصوصًا أن التقارير الأخيرة ربطت القرار باحتمال مراجعة خطط نشر صواريخ أمريكية بعيدة المدى على الأراضي الألمانية، وهي خطوة راهنت عليها عواصم أوروبية ضمن ترتيبات الردع أمام روسيا، وأي تراجع عنها سيمنح الجدل الأوروبي حول الدفاع الذاتي دفعًا إضافيًّا.
وقد رفع الأوروبيون إنفاقهم الدفاعي بوتيرة لافتة منذ حرب أوكرانيا، وأعلن حلف شمال الأطلسي في نيسان- أبريل أن جميع الحلفاء بلغوا هدف 2 في المئة من الناتج المحلي خلال العام الماضي، بعدما اقتصر ذلك على ثلاث دول فقط عام 2014.
كما سجل الحلفاء الأوروبيون وكندا زيادة بلغت 20 في المئة في الإنفاق الدفاعي مقارنة بالعام السابق، ووصل إنفاقهم الجماعي إلى أكثر من 574 مليار دولار بأسعار 2021، مع بقاء الفجوة قائمة بين زيادة الموازنات وبين تحويلها إلى جاهزية قتالية سريعة وذخائر متوافرة ومنظومات قادرة على العمل المشترك.
أوروبا أمام كلفة التعويض
بينما تحتاج القارة إلى ما يتجاوز رفع الميزانيات كي تعوض جانبًا من المظلة الأمريكية، فهي تحتاج إلى ذخائر بكميات مستدامة، ودفاع جوي متعدد الطبقات، وقدرات نقل إستراتيجي، واستطلاع فضائي، وقيادة وسيطرة موحدة، وصناعة تسليح قادرة على الإنتاج الطويل، وعقيدة تشغيل مشتركة بين جيوش تختلف في الخبرة والتجهيز والأولويات، لذلك تتحرك خطة الدفاع الأوروبية الجديدة ضمن أفق يمتد إلى عام 2030، إذ طرحت المفوضية الأوروبية حزمة الاستعداد 2030 لتعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو.
وتتحمــل ألمانيا العبء الأكبر في هـذا المســـــار؛ لأنهـــــا تمثـل الاقتصاد الأثقل داخل الاتحاد الأوروبي، ولأن خفض الوجود الأمريكي يجري على أراضيها مباشرة، لذلك تبـــدو أرقام الموازنات الجديدة مؤشرًا على انتقــــال ألمـــانـــــي محســــــوب، إذ يرتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي من 82.7 مليار يورو في 2026 إلى 105.8 مليار يورو في 2027.
فيما يصل الإنفاق الدفاعي الإجمالي إلى 144.9 مليار يورو عند احتساب الصندوق الخاص ودعم أوكرانيا، أي نحو 3.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا الارتفاع يضع برلين أمام معادلة دقيقة تتصل بحجم الجيش وجاهزيته وحدود القيادة الألمانية داخل أوروبا وطبيعة التنسيق مع دول شرقية ترى الخطر الروسي من حدودها المباشرة وتطلب ضمانات أمريكية ملموسة أكثر من أي تعهد أوروبي عام.
صراع القيادة الصناعية
في حين يدفع خفض الوجود الأمريكي في ألمانيا الخلافات الأمنية داخل الاتحاد الأوروبي إلى الظهور العلني، فبولندا ودول البلطيق تنظر إلى القوات الأمريكية كضمانة ردع مباشرة أمام روسيا، وتنظر إلى أي تقليص في ألمانيا من زاوية إعادة توزيع القوة نحو الجبهة الشرقية.
وقد عكس اعتراض جمهوريين أمريكيين على القرار حجم القلق من أثر الخفض على الردع الأطلسي، فيما تريد الحكومات الأوروبية رفع الإنفاق مع ضمان حصة لشركاتها ووظائفها وسلاسل إنتاجها، في وقت تحتاج فيه القارة إلى تقليل تشتت أنظمة السلاح وتسريع إنتاج الذخائر والدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة كي يتحول المال الدفاعي إلى قدرة مشتركة قابلة للاستخدام.
هذا وتحمل فرنسا رصيدًا عسكريًّا وسياسيًّا متراكمًا في إدارة القوة خارج حدودها، وتملك ألمانيا الثقل المالي والصناعي الذي تحتاجه أي قفزة دفاعية أوروبية، لذلك يتوقف المسار الدفاعي داخل الاتحاد على قدرة باريس وبرلين في تحويل هذا التداخل إلى توزيع واضح للأدوار، وتمنع في الوقت نفسه تحوله إلى ساحة تنازع بين العاصمتين حول من يقود ومن يمول ومن يحدد الأولويات.
تعويض واشنطن
يبدأ من داخل الناتو
وتأتي حساسية هذا الملف من الطريقة التي ربطت بها إدارة ترامب الوجود العسكري في أوروبا بملفات أخرى، من الرسوم الجمركية إلى إيران وأوكرانيا؛ ما جعل الضمان الأمريكي جزءًا من مساومات سياسية متحركة داخل العلاقة الأطلسية..
ولذلك تتجه العواصم الأوروبية إلى تعزيز قدراتها داخل حلف شمال الأطلسي بدل بناء مسار منفصل ســـــــريع عنه، فالقارة تحتاج ســـــنوات لتطوير منظومة مستقلة في القيادة والتجهيز والاستخبارات والردع، وتحتاج في الوقت نفسه إلى البنية الأطلسية القائمة كي تحافظ على توازن الردع خلال مرحلة إعادة بناء قدراتها.
في المحصلة، كشف القرار الأمريكي حجم التباين داخل الاتحاد؛ لأن كل عاصمة تنظر إليه من موقعها الجغرافي ومصالحها الأمنية وحساسيتها الداخلية تجاه كلفة الدفاع، ويمنح الإنفاق المتصاعد وتوسيع القاعدة الصناعية وتسريع برامج التسليح أوروبا، قدرة أكبر على تقليل الاعتماد على واشنطن، ويحتاج تعويض الدور الأمريكي بسرعة إلى قيادة عملياتية واضحة وقرار سياسي قادر على الحركة في الأزمات وقبول داخلي بكلفة دفاعية ممتدة وتفاهم بين العواصم يمنع تحول الطموح الدفاعي إلى سباق نفوذ داخل التكتل.