رئيس الدولة يستقبل ولي عهد عجمان ويستعرضان عدداً من القضايا التي تتعلق بشؤون الوطن والمواطن
الموانئ والطاقة في مرمى النيران.. تحول جديد في الحرب الروسية الأوكرانية
تشهد الحرب الروسية الأوكرانية تحولًا جديدًا في طبيعة المواجهة، بعدما اتجه الطرفان خلال الأيام الأخيرة إلى توسيع نطاق الضربات بعيدًا عن خطوط التماس، لتشمل الموانئ ومنشآت الطاقة والبنية اللوجيستية والمراكز الصناعية، في مؤشر على انتقال الصراع تدريجيًّا إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ سلسلة من الضربات الصاروخية والجوية استهدفت منشآت عسكرية ومراكز لإنتاج الطائرات المسيّرة في أوكرانيا، فيما أكدت هيئة الأركان الأوكرانية استمرار الهجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية باستخدام طائرات مسيّرة استهدفت منشآت للطاقة والبنية اللوجستية، في وقت تحدثت فيه تقارير غربية عن اتساع رقعة الأهداف الإستراتيجية لدى الجانبين؛ ما يعكس تحولًا في طبيعة العمليات العسكرية. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد المتبادل لا يقتصر على تحقيق مكاسب ميدانية، بل يهدف إلى إضعاف القدرة الاقتصادية للطرف المقابل ورفع كلفة استمرار الحرب، بالتزامن مع استمرار الحديث عن مسارات دبلوماسية ومفاوضات محتملة خلال الأشهر المقبلة.
توسيع «بنك الأهداف»
وكشفت مصادر عسكرية غربية مطلعة لـ»إرم نيوز» أن أجهزة الاستخبارات في عدد من الدول الحليفة تتابع تحولًا واضحًا في نمط العمليات بين موسكو وكييف، يتمثل في الانتقال من استهداف المواقع العسكرية التقليدية إلى التركيز على البنية الاقتصادية واللوجيستية للطرف المقابل، معتبرة أن الهدف لم يعد تحقيق مكاسب ميدانية سريعة، بل استنزاف القدرة على مواصلة الحرب على المدى الطويل. وأضافت المصادر أن التقديرات العسكرية الغربية تشير إلى أن الطرفين يعملان حاليًّا على توسيع «بنك الأهداف» بصورة مدروسة، مع إعطاء أولوية لمنشآت الطاقة والموانئ ومراكز الإنتاج العسكري ومستودعات الذخيرة وشبكات النقل، في محاولة لرفع الكلفة الاقتصادية والنفسية للصراع، بالتوازي مع الاحتفاظ بقدرة تفاوضية أقوى إذا ما استؤنف المسار السياسي خلال المرحلة المقبلة. وأوضحت المصادر أن دوائر التقدير الإستراتيجي لا تستبعد تصاعد الضربات بعيدة المدى خلال الأسابيع المقبلة، معتبرة أن كلّ طرف يسعى إلى تحسين موقعه العملياتي قبل أيّ تحرك دبلوماسي جديد، وهو ما يفسر الزيادة الملحوظة في الهجمات على العمقين الروسي والأوكراني خلال الفترة الأخيرة.
كييف تنقل المعركة
إلى العمق الروسي؟
في هذا السياق، قال المحلل العسكري الأوكراني فيتالي بوبوفيتش، في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، إن الإستراتيجية الأوكرانية الحالية تقوم على استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى لتنفيذ ما وصفه بـ»إستراتيجية الإنهاك المالي واللوجيستي» داخل العمق الروسي، عبر استهداف منشآت الطاقة ومصافي النفط ومستودعات الوقود بصورة متكررة.
وأوضح أن الضربات الأخيرة استهدفت مواقع في أقاليم، مثل: ستافروبول وأوليانوفسك وباشكورتوستان، في محاولة لإرباك منظومة الإمداد بالوقود ورفع الكلفة الاقتصادية للحرب على موسكو.
وأضاف أن كييف لم تعد تركّز فقط على المنشآت العسكرية، بل توسعت لاستهداف ما وصفه بـ»شرايين التمويل»، عبر ملاحقة ناقلات النفط التابعة لِما يعرف بـ»أسطول الظل» الروسي في البحر الأسود وبحر آزوف، إضافة إلى استهداف مراكز التجميع والمستودعات اللوجيستية التي تغذّي التحركات العسكرية الروسية.
موسكو تضغط على الاقتصاد الأوكراني
في المقابل، قال مدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة في روسيا فاسيلي كاشين، لـ»إرم نيوز»، إن موسكو تعتمد حاليًّا على هجمات صاروخية ومسيّرة مركبة تهدف إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية وتدمير البنية التي تسمح باستمرار المجهود الحربي.
وأوضح أن الضربات الروسية أصبحت تركز بصورة أكبر على الموانئ الواقعة في مقاطعة أوديسا، وفي مقدمتها ميناء يوجني، باعتبارها عقدًا رئيسية لحركة التجارة والصادرات الأوكرانية..
فضلًا عن استهداف المصانع ومراكز إنتاج وتجميع الصواريخ والطائرات المسيّرة في كييف ومحيطها، إلى جانب المنشآت ذات الاستخدام المزدوج التي توفر دعمًا مباشرًا للقوات الأوكرانية.
وأكد كاشين أن الهدف الروسي يتمثل في تقليص قدرة أوكرانيا على إعادة بناء قدراتها العسكرية، بالتوازي مع إضعاف بنيتها الاقتصادية.
وتشير قراءة للتطورات الميدانية إلى أن الحرب دخلت مرحلة يتراجع فيها تأثير السيطرة على مساحات محدودة من الأراضي، مقابل تصاعد أهمية ضرب مصادر التمويل والإنتاج والإمداد.
فأوكرانيا تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة لإلحاق خسائر كبيرة بالبنية النفطية الروسية، في محاولة لتعويض الفارق في القدرات الجوية التقليدية، بينما تركــــــز موســــكو علـى الموانئ والبنية اللوجيستية وشبكات الطاقة؛ ما يحد من قدرة كييف على الحفاظ على صادراتها واســـتمرار تدفق الدعم العسكري والاقتصادي.
سباق تكنولوجي
وفي موازاة التصعيد، تواصل أوكرانيا تطوير قدراتها الدفاعية، إذ كشفت شركة Skyfall الأوكرانية مؤخرًا عن طائرة مسيّرة اعتراضية جديدة صممت خصوصًا للتعامل مع طائرات «شاهد» الروسية، وفق ما أورده موقع Breaking Defense المتخصص في الصناعات العسكرية.
وقالت الشركة: إن النظام الجديد جرى تطويره خلال ثلاثة أشهر فقط استجابة لمتطلبات القوات المسلحة الأوكرانية، وإنه خضع بالفعل لاختبارات ميدانية سجَّل خلالها عشرات عمليات الاعتراض الناجحة.
أوراق تفاوض بالنار
ويرى محللون أن اتساع بنك الأهداف لدى موسكو وكييف يعكس محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل أيّ تحرّك سياسي محتمل، إذ أصبحت الضربات تستهدف مفاصل الاقتصاد والطاقة والتجارة أكثر من استهدافها مواقع عسكرية تقليدية.
وبذلك، تبدو الحرب وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الردع الاقتصادي والاستنزاف الإستراتيجي، حيث يسعى كلُّ طـــــرف إلى جمـــــــع أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط الميدانية والاقتصاديــــــة قبــــــل الانتقال إلى أيّ مســـــار تفاوضي قـــــد يعيـــد رسم خريطة الصراع.