بعد إلغاء الانتخابات.. واشنطن تُهدد نيكاراغوا بـ«النموذج الكوبي»
بعد فنزويلا وكوبا، يبدو أن واشنطن تستعد لفتح جبهة سياسية جديدة في أمريكا اللاتينية، عنوانها نيكاراغوا، وذلك عقب إعلان رئيسها دانييل أورتيغا إلغاء جميع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في خطوة أثارت ردود فعل أمريكية غاضبة، دفعت وزير الخارجية ماركو روبيو إلى التلويح بعزل ماناغوا سياسياً واقتصادياً، على غرار النموذج الكوبي.
وبمناسبة إحياء الذكرى السنوية لما يُعرف بـ»الثورة الساندينية» في نيكاراغوا، أعلن أورتيغا إنهاء العملية الانتخابية وعدم تنظيم أي انتخابات مستقبلاً قد تتيح للمعارضة السياسية العودة إلى سدة الحكم.
وقال الرئيس النيكاراغوي في هذا السياق: «لن تكون هناك انتخابات بعد اليوم»، ملغياً بذلك الاستحقاق الرئاسي المقرر عام 2027، وذلك بعد سلسلة من التعديلات الدستورية التي أدخلها على المنظومة القانونية والتشريعية في البلاد، والتي أتاحت له تمديد ولايته الرئاسية وتثبيت زوجته روزاريو موريو في مناصب سياسية عليا.
وتشغل موريو حالياً منصب نائبة الرئيس، إلى جانب كونها المتحدثة الرسمية باسم الحكومة والمدبرة الرئيسة للسياسات اليومية.
ويرى خبراء ومتابعون للشأن النيكاراغوي أن هذه الخطوة تمثل الضربة القاضية للمسار الديمقراطي الوليد في البلاد، باعتبارها تتويجاً لسنوات من التضييق على المعارضين، والملاحقات القضائية، والإبعاد القسري، وحظر الجمعيات الأهلية، وتجريد المئات من المواطنين المستقلين والمعارضين من جنسياتهم.
واشنطن تُلوّح
بعقوبات مشددة
ولم يتأخر الرد الأمريكي على هذا الإعلان، إذ أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان سريع وشديد اللهجة، أنها بصدد إعداد استراتيجية شاملة لإحكام الخناق على نظام أورتيغا، موجهة تحذيراً صارماً للسلطة الحاكمة في ماناغوا، ومتهمة إياها بإزالة آخر مظاهر الشرعية الديمقراطية.
وفي تهديد لافت، يمكن قراءته بوصفه تلويحاً بالتدخل في الشأن النيكاراغوي، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار ما وصفه بالنهج التدميري للشرعية الديمقراطية، مؤكداً أن واشنطن ستعمل بالتنسيق مع حلفائها الإقليميين والدوليين لاتخاذ إجراءات صارمة تستهدف عزل نظام أورتيغا سياسياً واقتصادياً، والحيلولة دون ممارسة سياساته وأداء أدواره داخل المحافل الإقليمية والمنظمات الدولية.
وحسب قراءات سياسية مطلعة، فإن التهديد الأمريكي بمعاقبة نظام أورتيغا قد يتجسد في مسارين؛ أولهما تشديد العقوبات لتشمل قيادات عسكرية وسياسية ومؤسسات مالية تابعة للنظام النيكاراغوي، وثانيهما مراجعة التسهيلات التجارية وآليات الوصول إلى القروض عبر الصناديق الدولية.
وفي المقابل، تستبعد هذه القراءات لجوء واشنطن إلى الخيار العسكري ضد ماناغوا في المرحلة الحالية، انطلاقاً من رغبتها في منح نظام أورتيغا مهلة لإعادة النظر في سياساته وقراراته تحت وطأة العقوبات الاقتصادية والحصار المرتقب، فضلاً عن انشغال إدارة ترامب بملفات الشرق الأوسط، ومجريات الحرب ضد إيران، إضافة إلى الوضع في كوبا الذي قد يشهد تطورات في أي لحظة.
غضب دول الجوار
وفي موازاة ذلك، توالت ردود الفعل من دول الجوار، إذ سارعت كل من كوستاريكا وغواتيمالا وبنما إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة تندد بقرار إلغاء الانتخابات.
وبالنسبة إلى كوستاريكا، التي تتقاسم حدوداً طويلة مع نيكاراغوا وتستضيف عشرات الآلاف من الفارين من بطش النظام، وفق إحصائيات منظمات حقوقية مطلعة، فإن القرار يمثل تهديداً أمنياً وإنسانياً مباشراً، في ظل توقعات بأن يؤدي إلى موجات جديدة من الهجرة القسرية، بما يفرض أعباء إضافية على الخدمات الاجتماعية والأمنية في كوستاريكا والدول المجاورة.
أما غواتيمالا وبنما، فقد اعتبرتا أن هذا التراجع الديمقراطي يهدد منظومة التكامل في أمريكا الوسطى، ويقوض الجهود التي بذلتها المنطقة للتحرر من إرث الديكتاتوريات العسكرية والحروب الأهلية التي شهدها القرن الماضي.
وفي هذا السياق، تعهد الرئيس الكولومبي المنتخب حديثاً، أبيلاردو دي لا أسبرييلا، بإغلاق سفارة بلاده في كل من هافانا وماناغوا؛ بسبب ما وصفه بالملمح الشيوعي والمنحى الاستبدادي لحكومتي البلدين، مؤكداً في الوقت نفسه انفتاحه على دول أخرى، من بينها إسرائيل، حيث من المقرر أن يفتتح سفارة لبلاده في القدس.
اجتماع طارئ لمنظمة
الدول الأمريكية
على المستوى القاري، دعت منظمة الدول الأمريكية (OAS) إلى عقد اجتماع طارئ لمجلسها الدائم لبحث ما وصفته بـ»الانقلاب الصريح على الميثاق الديمقراطي للقارة».
وشهدت أروقة المنظمة دعوات متزايدة من عدد من الدول لاتخاذ تحرك جماعي حاسم لا يقتصر على بيانات الإدانة التقليدية، بل يمتد إلى إجراءات عملية وملموسة بحق نظام أورتيغا.
وتشير مصادر سياسية مطلعة على كواليس منظمة الدول الأمريكية إلى أن العقوبات المقترحة تشمل تجميد عضوية نيكاراغوا في المؤسسات المالية والإقليمية التابعة للمنظمة، وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية منسقة تستهدف التجارة الخارجية والتسهيلات الائتمانية للنظام، إلى جانب عزل ماناغوا سياسياً، وفرض حظر سفر، ودعم الملاحقات القضائية الدولية بحق رموز النظام المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي المحصلة، يبدو أن قرار إلغاء الانتخابات يضع نيكاراغوا على مسار عزلة دولية شاملة، يشبهه مراقبون بسيناريو إقامة نموذج «كوري شمالي» في قلب أمريكا اللاتينية.
وبينما تراهن واشنطن وحلفاؤها الإقليميون على تشديد الضغوط الاقتصادية لدفع ماناغوا إلى مراجعة قراراتها، تذهب تحليلات إلى أن أورتيغا يسعى إلى الارتماء بصورة كاملة في أحضان حلفائه الدوليين، وفي مقدمتهم روسيا والصين، لتوفير شريان حياة لاقتصاده المتعثر.
ويبقى السؤال المطروح في أروقة القرار الدبلوماسي: هل تمتلك منظمة الدول الأمريكية والمجتمع الدولي أدوات الضغط الكافية لإجبار ماناغوا على التراجع، أم أن أمريكا الوسطى أصبحت أمام أمر واقع يؤسس لعصر جديد من الاستبداد المعلن؟