تايوان على طاولة ترامب وشي.. صفقة كبرى أم هدنة فوق برميل بارود؟
دخل ملف تايوان إلى قمة بكين كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين، بعدما أبلغ شي جين بينغ نظيره الأمريكي دونالد ترامب أن طريقة التعامل مع الجزيرة ستحدد قدرة الطرفين على تثبيت مسار أكثر استقرارًا بينهما. كذلك ربط الاستقرار في مضيق تايوان باستقرار العلاقة الصينية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
ويعكس هذا الربط مقاربة صينية واضحة للقمة، فبكين تريد من واشنطن إدارة دعمها العسكري والسياسي لتايبيه ضمن سقف لا يدفع المضيق إلى تصعيد جديد، خاصة مع تجدد الاعتراض الصيني على مبيعات السلاح الأمريكية للجزيرة وترقب القرار الذي قد يتخذه ترامب بشأن حزمة تسليح جديدة بعد انتهاء الزيارة إلى الصين.
وقال السفير الصيني سو غي رئيس اللجنة الوطنية الصينية للتعاون الاقتصادي في المحيط الهادي لـ»إرم نيوز» إن بكين أرادت من القمة أن تضع ملف تايوان في موضعه الحقيقي داخل العلاقة مع واشنطن، لأن القيادة الصينية ترى أن أي مسار جديد بين البلدين يحتاج إلى قاعدة واضحة في المضيق، خاصة أن مبيعات السلاح الأمريكية تمنح تايبيه هامشًا أوسع في إدارة التصعيد وتدفع بكين إلى قراءة كل خطوة أمريكية كجزء من ضغط طويل على الأمن القومي الصيني.
مبيعات السلاح
تختبر غموض القمة
وقال ترامب في البيت الأبيض، يوم الاثنين الفائت، إنه سيناقش مبيعات السلاح إلى تايوان مع شي خلال زيارته إلى بكين، ما وضع الملف على جدول القمة قبل انعقادها.
وجاء التصريح وسط غموض حول حزمة تسليح كبيرة لتايوان، إذ تحدثت «رويترز» عن أنها تقارب 14 مليار دولار وقد تنتظر توقيع الرئيس الأمريكي بعد عودته من الصين، فيما سبقتها موافقة أمريكية في ديسمبر الماضي على حزمة أخرى بقيمة 11 مليار دولار وصفتها تقارير أمريكية بأنها الأكبر لتايوان حتى الآن.
وردّت بكين قبل القمة بموقف رسمي واضح، إذ قال المتحدث باسم الخارجية الصينية قوه جيا كون إن معارضة الصين لمبيعات السلاح الأمريكية إلى «منطقة تايوان الصينية» ثابتة وواضحة، بعدما أعلن ترامب عزمه مناقشة الملف مع شي.
وكررت الخارجية الصينية الموقف نفسه يوم القمة، عندما أجاب قوه عن سؤال لصحيفة «نيويورك تايمز» حول ما إذا ناقش الزعيمـــــان مبيعـــــــات السلاح، قائلًا إن موقف الصين المعارض لهذه المبيعات «ثابت وواضح»، في إشارة إلى أن بكين أرادت إبقاء السلاح في قلب الرسالة السياسية حتى بعـــد انتهـــــاء الجلســـة المغلقة.
وبعد القمة، حاولت واشنطن ضبــــط أثـــــــر الملف من دون إسقاطه من الحسابات، إذ قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن مبيعات السلاح إلى تايوان لم تحتل موقعًا بارزًا في لقاء ترامب وشي، مع إقراره بأن الصين ما زالت غاضبة من قرار ديسمبر الماضي المتعلق بحزمة الـ11 مليار دولار.
تايوان بين حدود بكين وحسابات واشنطن
من جانبه، أكد المصدر الدبلوماسي الصيني أن الرسالة التي حملها شي إلى ترامب لا تستهدف رفع التوتر فورًا، وإنما تثبيت حدود الحركة الأمريكية بعد القمة، فالصين تعرف أن ترامب يفضّل إدارة الملفات عبر التفاوض المباشر والصفقات، ولذلك تريد أن تجعل تايوان ملفًا حاضرًا في حساباته العملية عند بحث التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
في المقابل، قال مسؤول أمريكي سابق في وزارة الخارجية، لـ»إرم نيوز»، إن ترامب دخل قمة بكين وهو يدرك أن تايوان تمثل الملف الأصعب في العلاقة مع الصين، لأن أي تراجع علني سيخلق مشكلة داخل الكونغرس ومع الحلفاء الآسيويين، وأي اندفاع في التسليح سيمنح بكين ذريعة لتصعيد جديد في المضيق.
وأضاف أن الغموض الأمريكي الحالي يخدم ترامب على المدى القصير، لأنه يمنحه فرصة لاختبار ما يمكن أن تقدمه بكين بعد القمة، لكنه يرفع مستوى القلق لدى تايبيه وطوكيو ومانيلا إذا طال هذا الغموض أو ترافق مع تباطؤ واضح في الدعم العسكري.
ورأى المصدر أن ملف تايوان سيبقى اختبارًا مبكرًا لما إذا كانت قمة بكين أنتجت تهدئة قابلة للاستمرار أو مجرد إدارة مؤقتة للتوتر، لأن القرار الأمريكي المقبل حول التسليح سيحمل رسالة أوسع من قيمته العسكرية المباشرة. فإذا حافظ ترامب على مسار الدعم الدفاعي لتايبيه مع ضبط خطابه تجاه الصين، فقد ينجح في تمديد التهدئة، أما إذا ظهر أن واشنطن تؤجل خطواتها الحساسة تجنبًا لإغضاب بكين، فستتعامل الصين مع ذلك كمساحة ضغط إضافية وستنظر تايوان إلى القمة كمصدر قلق أكثر من كونها ضمانة للاستقرار.
تايوان تراقب
ما بعد القمة
من جانبها قرأت تايوان القمة الصينية الأمريكية بهدوء محسوب، فقد قالت سلطاتها إن اللقاء حمل مفاجآت محدودة، وربطت الخطر الأساسي باستمرار الضغط العسكري الصيني حول الجزيرة، كما شددت على الحفاظ على الوضع القائم وعلى حق سكان الجزيرة في تقرير مستقبلهم، ما يكشف أن تايبيه تتابع القرار الأمريكي اللاحق أكثر من متابعة اللغة الدبلوماسية داخل بكين، لأن أي تأجيل في التسليح أو تخفيض في مستوى الدعم السياسي سيصل إلى تايوان كإشــارة عملية واضحة.
في المحصلة، تحاول بكين دفع ترامب إلى مساحة تفاوضية أوسع حول تايوان، عبر ربط الاستقرار العام في العلاقة بسلوك واشنطن في المضيق، ولا تحتاج الصين إلى تنازل أمريكي معلن حتى تعتبر القمة مفيدة، إذ يكفيها أن يبطئ البيت الأبيض بعض خطواته، أو يدير صفقة السلاح بتوقيت مريح لبكين، أو يخفض مستوى التصعيد السياسي حول الجزيرة، بينما يحتاج ترامب إلى ترك هامش مناورة واسع أمام الكونغرس والمؤسسة الأمنية والحلفاء الآسيويين، لذلك تبدو تايوان بعد القمة ملفًا مفتوحًا على إدارة دقيقة أكثر من كونها بندًا قابلًا للحسم السريع.