تود بلانش.. من محامٍ ديمقراطي هادئ إلى السوط القانوني لترامب

تود بلانش.. من محامٍ ديمقراطي هادئ إلى السوط القانوني لترامب


يقف المحامي، تود بلانش، على أعتاب تولي أعلى منصب قانوني في الولايات المتحدة، بعد أقل من 3 سنوات على استقالته من أحد أعرق مكاتب المحاماة في «وول ستريت» للدفاع عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أولى قضاياه الجنائية.
ومن المقرر أن يمثل الأسبوع المقبل أمام لجنة القضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي خلال جلسات استماع لحسم ترشيحه وزيرًا للعدل، في ظل معارضة واسعة، إذ طالب أكثر من 1200 من مسؤولي وموظفي وزارة العدل السابقين برفض تعيينه، فيما تقدّم أكثر من 100 قاضٍ سابق بشكوى إلى نقابة المحامين في نيويورك تطالب بالتحقيق في سلوكه المهني. ولسنوات، كان بلانش ديمقراطيًا مسجلًا، وعُرف داخل الأوساط القانونية في نيويورك بأنه مدعٍ فيدرالي محترف بعيد عن الاستقطاب السياسي.
وشهدت مسيرته تحولًا جذريًا بعد انضمامه إلى فريق الدفاع عن ترامب، قبل أن يتحول لاحقًا إلى الحزب الجمهوري ويصبح أحد أبرز الوجوه القانونية في إدارة ترامب الثانية.
 الانتماء إلى النخبة
لم ينحدر بلانش من النخبة القانونية التقليدية، فقد نشأ في ضاحية تنتمي إلى الطبقة العاملة، ودرس الشؤون العامة في جامعة «أمريكان»، ثم التحق بكلية بروكلين للحقوق، حيث كان يدرس ليلًا بينما يعمل نهارًا مساعدًا قانونيًا في مكتب المدعي العام الفيدرالي للمنطقة الجنوبية في نيويورك.
ويقول زميله السابق، جو مورينو، لصحيفة «فايننشال تايمز»: «يتطلب الأمر عزيمة وإصرارًا حتى يتمكن أشخاص مثلنا، ممن لا ينتمون إلى النخبة، من شق طريقهم داخل أكبر مكاتب المحاماة».
وبعد نحو عقد من العمل مدعيًا فيدراليًا، انتقل إلى القطاع الخاص، فعمل مستشارًا قانونيًا في مكتب «ويلمر هيل» قبل أن يصبح شريكًا في مكتب «كادواليدر، ويكيرشام وتافت»، أحد أقدم مكاتب المحاماة في وول ستريت.

بوابة ترامب
بدأت علاقة بلانش بدائرة ترامب عام 2019 عندما تولى الدفاع عن بول مانافورت، المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، ونجح في إسقاط التهم الموجهة إليه في قضية احتيال استنادًا إلى مبدأ «عدم جواز المحاكمة مرتين»،  كما تولى لاحقًا الدفاع عن إيغور فرومان وبوريس إبشتاين، وهما من أبرز المقربين من الرئيس الأمريكي.
ووفقًا لـ»فايننشال تايمز»، قال بلانش لزملائه آنذاك إن هذه القضايا قد تساعده على بناء قاعدة أكبر من العملاء وتعزيز مكانته المهنية.
وفي فبراير-شباط 2023، طلب ترامب من بلانش الدفاع عنه في قضية الأموال المدفوعة للممثلة الإباحية ستورمي دانيلز، وهي أول قضية جنائية تُرفع ضد رئيس أمريكي سابق.
ورفض مكتب «كادواليدر» الانخراط في القضية، وهو ما أثار دهشة بلانش، الذي قرر الاستقالة وتأسيس مكتبه الخاص «بلانش لو» ليتولى الدفاع عن ترامب في قضاياه المختلفة.
وبمرور الوقت، دفع صندوق سيف أمريكا «PAC « أكثر من عشرة ملايين دولار لمكتب بلانش مقابل خدماته القانونية.
ورغم إدانة ترامب في قضية نيويورك، فإن الرئيس الأمريكي قدّر، بحسب أشخاص مقربين منه، أن بلانش خاطر بمستقبله المهني للدفاع عنه في وقت لم يكن فيه فوزه بالانتخابات مضمونًا.
وفي يناير-كانون الثاني 2025، رشحه ترامب لمنصب نائب وزير العدل، وحظي آنذاك بدعم أكثر من مئة من زملائه السابقين في مكتب المدعي العام الفيدرالي.

استهداف خصوم ترامب
في أبريل-نيسان 2026، تولى بلانش منصب وزير العدل بالإنابة عقب إقالة بام بوندي، قبل أن يرشحه ترامب رسميًا للمنصب بصورة دائمة.
وترى صحيفة «فايننشال تايمز» أن فترة بلانش شهدت تصاعدًا في استخدام وزارة العدل لاستهداف خصوم ترامب السياسيين، مستشهدة بفتح تحقيقات بحق المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، والمدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، إلى جانب تحركات لإسقاط بعض الأحكام الصادرة بحق أعضاء جماعتي «برود بويز» و»أوث كيبرز».
ويلخص رضوان قريشي، المسؤول السابق في وزارة العدل، المشهد بقوله للصحيفة: «ينظر كثيرون اليوم إلى وزارة العدل باعتبارها مكتب المحاماة الذي يمثل الرئيس، لا الشعب».
كما واجه بلانش انتقادات بسبب تسوية تضمنت إنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار لتعويض من تعتبرهم الإدارة ضحايا لـ»استخدام القانون كسلاح»، قبل أن تتراجع الإدارة عن المشروع تحت ضغط من أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ.
وشملت التسوية أيضًا وثيقة وقعها بلانش شخصيًا تنص على عدم ملاحقة ترامب أو أفراد من عائلته أو شركاته ضريبيًا عن فترات سابقة.
وفي الوقت نفسه، تقدم أكثر من 100 قاضٍ سابق بشكوى إلى نقابة المحامين في نيويورك، اتهموه فيها بالإخلال بواجباته المهنية، مستشهدين بدوره في إدارة الإفراج المثير للجدل عن ملفات جيفري إبستاين، والذي شهد إخفاقًا في حجب أسماء عدد كبير من الضحايا.
كما وقع أكثر من 1200 من مسؤولي وموظفي وزارة العدل السابقين رسالة تدعو مجلس الشيوخ إلى رفض تثبيت تعيينه.

شخص مختلف
وكشفت الصحيفة التحول الكبير في صورة بلانش لدى زملائه القدامى، ونقلت عن أحدهم: «انتقل من شخص كان يحظى باحترام الجميع إلى شخص نقف اليوم حائرين أمام ما أصبح عليه. كأنه شخص مختلف تمامًا». بينما قال زميل آخر: «عندما عُين نائبًا لوزير العدل، كان معظمنــــا يأمل أن يكون الشخص الأكثر اتزانًا داخل الإدارة».
في المقابل، دافع مسؤول بوزارة العدل عنه، قائلًا إن «العدد الكبير من المحامين الذين يهاجمونــه سـرًا ثم يشيدون علنًا بإنجازات الوزارة أمر مخـــزٍ»، مؤكدــــًا أن بـــلانــش يقـــــود الـــوزارة «بنزاهـــة وتميز».
ويجسد تود بلانش واحدًا من أكثر التحولات إثارة في المشهد القانوني الأمريكي، بحسب الصحيفة، ففي غضون سنوات قليلة، انتقل من مدعٍ فيدرالي سابق ومحامٍ يحظى باحترام واسع داخل المؤسسة القضائية إلى أقرب المستشارين القانونيين للرئيس دونالد ترامب، ثم إلى المرشح لقيادة وزارة العدل. 
وبينما يرى مؤيدوه أنه محامٍ لم يتردد في الدفاع عن موكله عندما تراجع الآخرون، يعتبره منتقدوه رمزًا لتسييس وزارة العدل وتحويلها إلى أداة تخدم الرئيس أكثر مما تخدم القانون.
وستحدد جلسات الاستماع في 15-16 يوليو-تموز ما إذا كان مجلس الشيوخ سيمنحه الضوء الأخضر لقيادة الوزارة بصورة دائمة.