ضمن مشاركته الاستثنائية كضيف خاص في المهرجان
جلسة نقاشية لـ «تريندز» تناقش ظاهرة «الإسلاموية» كتحدٍ أمني وفكري في «باريس للكتاب»
استهل مركز تريندز للبحوث والاستشارات، عبر مكتبه الافتراضي في فرنسا، مشاركته الاستثنائية في مهرجان باريس الدولي للكتاب 2026، باعتباره ضيفاً خاصاً، بتنظيم جلسة نقاشية بعنوان «الإسلاموية كتحدٍ أمني وفكري.. قراءة مقارنة للمقاربات العربية والأمريكية والأوروبية»، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء الدوليين، وذلك في جناحه المشترك مع جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، بالقصر الكبير في العاصمة الفرنسية باريس.
وقدم للجلسة، زايد الظاهري، الباحث في «تريندز»، حيث قال إن الإسلاموية تمثل ظاهرة مركبة تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية، وتجمع بين البعدين الأمني والفكري، وتمس في عمقها البنية المؤسسية للدولة الوطنية وتماسك المجتمعات، مبيناً أنها لا تُختزل في مظاهر التطرف، بل تعكس مشروعاً أيديولوجياً منظماً يسعى إلى إعادة تعريف المجال العام وإعادة تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة.
وأشار إلى أن الجلسة تفتح حواراً تحليلياً معمقاً بين ثلاث مقاربات رئيسية «العربية، والأمريكية، والأوروبية»، مما يسهم في تجاوز القراءات الأحادية، كما يسعى الحوار إلى بناء إطار تحليلي أكثر اتساقاً لفهم الظاهرة، باعتبارها تحدياً بنيوياً يؤثر في المجتمعات والدول الوطنية على المستويين المؤسسي والقيمي.
أبعاد فكرية
وإبستمولوجية
بدوره، أكد الدكتور وائل صالح، مدير مكتبي «تريندز» الافتراضيين في فرنسا وكندا، الذي أدار الجلسة، أن الإسلاموية لا يمكن فهمها من خلال منظور أمني تقليدي، بل تتطلب مقاربة تحليلية أعمق، تأخذ في الاعتبار أبعادها الفكرية والإبستمولوجية، باعتبارها مشروعاً أيديولوجياً منظماً.
وذكر أن عدداً متزايداً من الباحثين العرب يوجهون انتقادات للمقاربات السائدة في الأوساط الأكاديمية الغربية، لا سيما تلك التي تميل إلى تفسير الإسلاموية ضمن أطر نظرية غير ملائمة، مثل الخلط بينها وبين الإسلام كدين، مضيفاً أن هذه القراءات تسهم في حجب الطبيعة الحقيقية للإسلاموية بوصفها مشروعاً أيديولوجياً متماسكاً.
وأشار إلى وجود اختلالات منهجية في بعض الدراسات، من بينها الاعتماد المفرط على خطابات الفاعلين الإسلاميين كمصدر رئيسي للتحليل، مقابل تهميش دراسة النصوص المرجعية المؤسسة، وخلص إلى أن هذه الإشكالات تفرض ضرورة تجديد الأطر التحليلية، من خلال إدماج البعد الأيديولوجي والإبستمولوجي، بما يسمح تقديم فهم أكثر دقة وتعقيداً للإسلاموية، بعيداً عن القراءات التبسيطية أو الاختزالية.
علاقة «الإخوان» بالدول
من جانبه، ركز البروفيسور محمد علي العدراوي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون - باريس، في مداخلته على البعد التاريخي الجيوسياسي للعلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وعدد من الدول، من خلال تحليل سياسات الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الدول العربية تجاه هذه الحركة، موضحاً أن فهم هذه العلاقة لا يتطلب العودة إلى الأرشيفات الدبلوماسية، مبيناً أن مواقف بعض الدول تجاه «الإخـــوان» ذات طابع متغيــــر، حيث تتأثـــــر بالســــياقات التاريخية والتحولات الجيوسياسية، ما يجعل العلاقة بين الطرفين مركبة ومتعددة الأبعاد.
وركز العدراوي على دور الحقل الأكاديمي في إنتـــــاج المعرفة حول جماعة الإخــــوان، معتبراً أن تعدد التأويلات يعكــــس تعقيـــــد النقاش الأكاديمي حوـــــل الجماعة، لكنه يطرح أيضاً تحدياً يتعلق بضرورة تطوير أدوات تحليلية دقيقة، وقادرة على استيعاب التحولات المستمرة في بنية الحركة وسلوكها عبر مختلف الســــــياقات لتبيان مدى خطورتها على المجتمعات والدول.
إعادة تشكيل الولاءات
أما البروفيسور برنار روجيه، أستاذ الحضارة والمجتمع العربي بجامعة السوربون الجديدة، فقدم قراءة معمقة للإسلاموية بوصفها منظومة اجتماعية سياسية متكاملة، لا تقتصر على كونها أيديولوجيا أو حركة سياسية، بل تمثل بنية تنظيمية قادرة على إعادة تشكيل المجال الاجتماعي من الداخل، عبر شبكات محلية ومؤسسات وسيطة، مثل الجمعيات والمساجد والفضاءات التربوية، التي تسهم في إنتاج بيئات حاضنة تعيد تشكيل السلوكيات والولاءات بشكل تدريجي ومستمر.
وأوضح أن المشروع الإسلاموي يقوم على تداخل وثيق بين الدعوي والسياسي، حيث يتم توظيف الدين كأداة لإعادة بناء الانتماءات وتوجيهها، مع التأكيد على ضرورة التمييز التحليلي الصارم بين الإسلام كدين والإسلاموية كمشروع أيديولوجي..
مشيراً إلى أن بعض الباحثين في الغرب يواجهون صعوبات في إدراك تعقيد هذه الظاهرة، نتيجة اعتمادهم على أدوات تحليلية غير مناسبة.
وذكر روجيه أن فهم ظاهرة الإسلاموية تتطلب تجاوز المقاربات التبسيطية، واعتماد نماذج تحليلية تأخذ في الحسبان تداخل العوامل الاجتماعية والأيديولوجية والتنظيمية، بما يسمح بتفسير دينامياتها المعاصرة بشكل أكثر دقة.