خبراء: المسيّرات الأوكرانية تدفع موسكو لإعادة رسم بنك أهدافها

خبراء: المسيّرات الأوكرانية تدفع موسكو لإعادة رسم بنك أهدافها

مع انتقال الهجمات الأوكرانية إلى عمق الأراضي الروسية، شهدت الفترة الأخيرة موجة متصاعدة من الضربات بالطائرات المسيرة استهدفت منشآت للطاقة ومواقع داخل محيط العاصمة موسكو ومناطق روسية أخرى بعيدة عن خطوط القتال المباشرة.
وتُعد الهجمات الأخيرة من بين أكبر العمليات التي استهدفت العمق الروسي منذ اندلاع الحرب، حيث شملت منشآت نفطية وبنية تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة، بالإضافة إلى تعرُّض مواقع إستراتيجية لأضرار متفاوتة.
وأعلن سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، أن بلاده ستواصل تنفيذ ضربات منسقة وواسعة على نحو منتظم ضد أوكرانيا، موضحًا أن هذا التوجه سبق أن أعلنه الرئيس فلاديمير بوتين وأن القوات الروسية ماضية في تنفيذه. 
وأضاف أن موسكو تتعامل مع الهجمات التي تستهدف أراضيها عبر توجيه ضربات واسعة النطاق إلى أهداف حيوية داخل أوكرانيا بالتوازي مع تعزيز إجراءات الدفاع الجوي.
ومن جانبه، أكد دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية تواصل العمل بمستوى مرتفع من الجاهزية، مشيرًا إلى أن السلطات الروسية تتخذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع تداعيات الهجمات الأخيرة التي استهدفت مناطق داخل البلاد، مع استمرار عمليات الرصد والاعتراض في محيط العاصمة والمناطق الأخرى.
وقال سيرغي سوبيانين، عمدة موسكو، إن الدفاعات الجوية الروسية اعترضت وأسقطت أكثر من 190 طائرة مسيّرة خلال اقترابها من أجواء العاصمة، موضحًا أن بعض المسيّرات تمكنت من الوصول إلى أهداف داخلية من بينها منشأة لتكرير النفط؛ ما استدعى تدخل فرق الطوارئ والإطفاء للتعامل مع الموقف.
في المقابل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن القدرات الأوكرانية بعيدة المدى وصلت إلى أهداف داخل الأراضي الروسية، مشيرًا إلى استهداف منشأة نفطية تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود.
ووصف زيلينكسي هذه العمليات بأنها جزءٌ من سياسة الضغط العسكري التي تعتمد على الأسلحة بعيدة المدى، داعيًا إلى إنهاء الحرب عبر خطوات دبلوماسية.
وفي تصريحات أخرى، أكد زيلينسكي أن أوكرانيا لا ترغب في استمرار الحرب، لكنه ربط الهجمات الأخيرة بالعمليات العسكرية الروسية التي تستهدف المدن الأوكرانية، مشددًا على أن كييف ستواصل استخدام قدراتها الهجومية بعيدة المدى في إطار المواجهة الدائرة بين الطرفين.
وفي ظل اتساع نطاق الأهداف التي تطالها العمليات المتبادلة، يبقى السؤال، هل تشهد المرحلة القادمة إضافة أهداف جديدة إلى قائمة الاستهداف لدى الجانبين؟
المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية بسام البني أكد، أن موسكو تعمل بالفعل على توسيع بنك أهدافها داخل أوكرانيا، مشددًا على أن هذا تنفيذٌ لإستراتيجية روسية متدرجة ومدروسة تسعى إلى ترسيخ معادلة ردع جديدة في سياق الحرب الدائرة.
وأضاف البني لـ»إرم نيوز»، أن الضربات الروسية الأخيرة تكشف عن تحوّل في طبيعة الأهداف التي يجري التركيز عليها، حيث باتت تشمل مواقع يشتبه في وجود قيادات عسكرية واستخباراتية أوكرانية فيها، كما حدث في كييف مؤخرًا.
وأوضح أن الرسالة الروسية تتمثل في أن استهداف العمق الروسي وخاصة الكرملين سيقابله استهداف مباشر لمراكز صنع القرار السياسي والعسكري الأوكراني، بدلًا من الاقتصار على ضرب منشآت الطاقة كما كانت الحال خلال مراحل سابقة من الصراع.
وأشار الخبير في الشؤون الروسية، إلى أن نطاق العمليات الروسية توسَّع ليشمل مكونات أكثر حساسية داخل البنية التحتية للطاقة، إذ لم يعد يقتصر على محطات التحويل الكهربائية، وإنما امتد إلى محطات التوليد الكهرومائية والحرارية ومراكز التحكم الواقعة تحت الأرض.
وأكد البني أن الهدف من هذه الضربات يتمثل في إحداث أضرار واسعة بالمنظومة بأكملها؛ ما يجعل عملية الإصلاح وإعادة التشغيل أكثر تعقيدًا واستغراقًا للوقت بدلًا من الاكتفاء بإحداث تعطيل مؤقت.
ولفت إلى تحوّل آخر في طبيعة الاستهدافات الروسية المرتبطة بالجانب اللوجستي، موضحًا أن التركيز لم يعد منصبًّا فقط على خطوط ومحاور الإمداد، بل امتد إلى الجسور والأنفاق وعربات القطارات.
وأوضح المحلل السياسي، أن الغاية من ذلك تتمثل في تقليص قدرة أوكرانيا على نقل الأسلحة الغربية من المناطق الغربية إلى الجبهات الشرقية، بما يحد من الاستفادة العسكرية من الإمدادات التي تتلقاها من الدول الداعمة لها.
من جانبه، أكد سعيد الزغبي، أستاذ العلوم السياسية، أن تكرار الهجمات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية يضع الكرملين أمام ضغوط متزايدة تدفعه إلى إظهار أن تلك الضربات لن تمر دون رد.
وقال الزغبي لـ»إرم نيوز»: إن موسكو قد تتجه إلى توسيع بنك أهدافها العسكرية داخل أوكرانيا بهدف توجيه رسالة واضحة إلى كييف والدول الداعمة لها بأن استهداف العمق الروسي ستكون له تكلفة مرتفعة.
وأضاف أن الحديث عن توسيع الضربات الروسية لا يعني بالضرورة ظهور فئات جديدة بالكامل من الأهداف خاصة أن روسيا سبق أن استهدفت معظم البنى التحتية العسكرية واللوجستية ومنشآت الطاقة وشبكات النقل خلال الحرب.
وأشار إلى أن مفهوم التوسع قد يرتبط بصورة أكبر بزيادة كثافة الضربات على الأهداف القائمة بالفعل، أو توسيع نطاقها الجغرافي ليشمل مناطق كانت أقل تعرضًا للهجمات في السابق إلى جانب استخدام أنواع مختلفة من الصواريخ والطائرات المسيّرة لرفع مستوى الضغط العسكري.
وأكد الزغبي أن أيّ ردّ روسي يظل خاضعًا لجملة من الاعتبارات العسكرية والسياسية، من بينها الحفاظ على مخزونات الذخائر والصواريخ، وتجنب خطوات قد تؤدي إلى تصعيد أوسع مع الغرب، فضلًا عن التركيز على الأهداف ذات القيمة العسكرية المباشرة بدلًا من تنفيذ ضربات رمزية محدودة الجدوى.
وأوضح أن التجارب السابقة تشير إلى أن موسكو غالبًا ما ترد عبر تكثيف الهجمات الجوية والصاروخية على البنية التحتية العسكرية واللوجستية الأوكرانية، أكثر من اتجاهها إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جذرية.
وأكد الخبير في الشؤون الروسية، أن احتمالات إعادة ترتيب أو توسيع بنك الأهداف الروسي تزداد مع تكرار الضربات داخل روسيا، إلا أن هذا التوسع سيظل أقرب إلى البعد الكمي والتكتيكي المرتبط بزيادة الوتيرة واتساع النطاق.