محمد بن راشد يصدر مرسوما بتشكيل مجلس إدارة مؤسسة دبي العقارية برئاسة مكتوم بن محمد
دونباس أولاً.. هل اقترب بوتين من تحقيق الهدف الأكثر ثباتًا في الحرب؟
منذ اندلاع الحرب، بقي إقليم دونباس في صدارة الأهداف المعلنة لموسكو، باعتباره المنطقة التي تدور حولها أغلب العمليات العسكرية والتجاذبات السياسية.
ومع استمرار القتال في شرق أوكرانيا، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت التطورات الأخيرة على الأرض قد قربت روسيا من تحقيق الهدف الذي ظل ثابتا في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تضمن الإصرار على السيطرة الكاملة على دونباس.
وقبل أيام، أكد بوتين أن السيطرة على دونباس والتوصل إلى تسوية بشأن أوكرانيا «لا يتعارضان»، مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية مستمرة بالتوازي مع المسار التفاوضي.
وشدد الرئيس الروسي على أن القوات الروسية تواصل ما وصفه بـ»التحرير الكامل للدونباس بصورة تدريجية»، واعتبر أن الإقليم يظل محور التحركات الروسية الحالية، سواء ميدانيًا أو سياسيًا.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية تقدم الدب الروسي في مناطق شمال مقاطعة دونيتسك، مع تركيز العمليات حول محور سلافيانسك – كراماتورسك – كوستيانتينيفكا.
وكشفت بأن القوات الروسية وصلت إلى أجزاء من مدينة كوستيانتينيفكا وتواصل عملياتها داخل محيطها، بالإضافة إلى إجلاء نفذته السلطات الأوكرانية في كراماتورسك، ونقل بعض المنشآت الصناعية والعاملين فيها إلى مناطق غربية.
وفي المقابل، أكد أولكسندر سيرسكي القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، أن كييف متمسكة بالدفاع عن دونباس وأن المنطقة تضم خطوطا دفاعية وتحصينات تعد من أهم مواقع الجيش الأوكراني في الشرق.
وأضاف أن التخلي عن الإقليم ليس مطروحاً بالنسبة لأوكرانيا، في ظل ما يمثله من أهمية عسكرية وسياسية ورمزية بالنسبة للدولة الأوكرانية.
وكرر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الموقف نفسه، بعد إعلان رفض أي تسوية تتضمن التنازل عن دونباس، مشيرًا إلى استمرار العمليات العسكرية الأوكرانية بعيدة المدى ضد أهداف داخل الأراضي الروسية والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية.
وتبقى مدينة كوستيانتينيفكا إحدى أبرز نقاط الاشتباك الحالية في دونباس، حيث شهدت المدينة معارك متواصلة أسفرت عن السيطرة على عشرات المباني وتقدم القوات الروسية داخل أحيائها.
وبين تمسك موسكو باستكمال السيطرة على دونباس، وإصرار كييف على الاحتفاظ بما تبقى من مواقعها في الإقليم، تظل المعارك الدائرة حول مدن دونيتسك الرئيسة، وما تحمله التطورات الميدانية المقبلة غير معروف ما ستحدثه من تغيير في خريطة دونباس؟
في البداية، أكد ألكسندر زاسبكين، الدبلوماسي الروسي السابق، أن الشروط الروسية للوصول إلى تسوية للأزمة الأوكرانية عديدة وأن تحقيقها يتطلب وقتًا، إلا أن انسحاب الجيش الأوكراني من دونباس لا يتطلب سوى اتخاذ قرار من قبل السلطات الأوكرانية.
وأضاف زاسبكين في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز» أنه في حال حدوث ذلك، فإن الأطراف المعنية ستدخل عهدًا جديدًا يتمثل في مرحلة التفاوض الجدي، ولذلك يؤكد الجانب الروسي أنه مستعد لإجراء مفاوضات فورًا وفي أي وقت. وأشار زاسبكين إلى أن نظام كييف لا يوافق ولن يوافق، على الشرط الروسي؛ الأمر الذي يعني أن الحرب سوف تستمر خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن روسيا ستحرر دونباس دون شك، وفقًا للرؤية الروسية لمسار العمليات العسكرية الجارية.
ولفت إلى أن ذلك سيؤدي إلى خلق ظروف جديدة أكثر ملاءمة لوقف الأعمال العدائية، ويفتح المجال أمام التفاوض بشأن مختلف عناصر التسوية السياسية والعسكرية للأزمة.
ومن جانبه، أكد الدكتور ميرزاد حاجم، مدير مركز الدبلوماسية الشعبية والخبير في مركز البحوث العلمية والاستشارات التطبيقية في روسيا، أن الهدف الذي لم يتغير في استراتيجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمتمثل في السيطرة على دونباس، بات أقرب من أي وقت مضى إلى التحقق.
وقال في تصريح لـ»إرم نيوز» إن من يقرأ المشهدين العسكري والسياسي من داخل موسكو يدرك أن دونباس تمثل مركز الثقل الاستراتيجي الذي تُبنى عليه العملية بأكملها، وليست مجرد مساحة جغرافية قابلة للمساومة في أي مفاوضات مستقبلية.
وأوضح حاجم أن القيادة الروسية استخدمت جبهة دونباس لتفكيك البنية العسكرية للطرف الآخر واستنزاف مخزونات التسليح الغربية، مستفيدة من تفوقها اللوجستي والمدفعي.
ولفت إلى أن السيطرة الكاملة على دونباس لا تقتصر على تحقيق مكسب جغرافي بل تمثل وفق الرؤية الروسية، ضرورة أمنية لتأسيس منطقة عازلة تؤمن العمق الاستراتيجي لروسيا.
وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف من شأنه أن يفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً على الأرض؛ ما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية مضطرة للتعامل مع هذا الواقع، وهو ما يعزز بحسب تقديره فرضية اقتراب موسكو من تحقيق الهدف الذي ظل ثابتاً في استراتيجيتها منذ بداية الصراع.
في السياق ذاته، أكد مصطفى الخفاجي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، أن إقليم دونباس يمثل أهمية بالغة بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومشروعه الاستراتيجي في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن بوتين يسعى إلى فرض سيطرة كاملة على الإقليم خاصة وأن نحو 90% أو أكثر من مناطق دونباس باتت تحت السيطرة الروسية.
وأوضح الخفاجي في تصريحات خاصة لـ«إرم نيوز» أن الرئيس الروسي يهدف من خلال هذه السيطرة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتداخلة، تشمل أهدافا تاريخية وعسكرية واقتصادية، فضلًا عن أهداف تتعلق بما تعتبره موسكو شرعية لحربها في أوكرانيا.
ولفت الخفاجي إلى أن السيطرة على دونباس قد تفتح شهية بوتين للتوسع نحو مناطق ومدن أخرى داخل أوكرانيا، إلا أنه استدرك بالقول إن أوكرانيا لن تستسلم أو ترفع الراية البيضاء، متوقعًا أن تواصل التصدي بقوة للطموحات الروسية، وأن تشهد المرحلة المقبلة مقاومة أوكرانية كبيرة لأي محاولات روسية لفرض واقع جديد على الأرض.
وأضاف أن الرئيس الروسي، بحكم خلفيته الاستخباراتية، يدرك أن فرض السيطرة الكاملة على دونباس بالقوة العسكرية قد يستغرق سنوات طويلة، فضلًا عن الكلفة البشرية والمادية الكبيرة التي قد تتكبدها روسيا.
وتابع الخفاجي أن موسكو تحاول اليوم السيطرة على ما تبقى من المناطق المستهدفة عبر المسار التفاوضي والسياسي، من خلال دفع الأطراف إلى طاولة المفاوضات، بهدف فرض شروطها على الجانب الأوكراني وتحقيق ما يمكن اعتباره نصرًا كاملًا في دونباس عبر الوسائل السياسية بدلًا من الحسم العسكري المباشر.
وفي المقابل، أشار إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكد مرارًا أن أوكرانيا لن تستسلم، وأن الحرب ستستمر ما دام هناك احتلال لأراضيها، معتبرًا أن هذا الموقف متوقع في ظل دفاع الأوكرانيين عن أراضيهم ومستقبلهم وكرامتهم الوطنية ومواطنيهم في مواجهة القوات الروسية.
وبيّن الخفاجي أن ما تغير في الموقف الروسي ليس الهدف النهائي المتمثل في السيطرة على دونباس، وإنما الاستراتيجية المتبعة لتحقيق هذا الهدف، فبعد أن كان التركيز منصبًا على الحسم العسكري المباشر، باتت موسكو تسعى إلى استكمال سيطرتها عبر المسار السياسي والتفاوضي والسلمي، مستفيدة من المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة.