رئيس الدولة وأمير قطر يبحثان خلال اتصال هاتفي العلاقات الأخوية والتطورات الإقليمية
رومانيا.. اليمين المتطرف الرابح الأكبر من أزمة إسقاط الحكومة
سقطت الحكومة الرومانية المؤيدة لأوروبا، ليس بضربة معارضة تقليدية، بل بخيانة الحليف الأقرب، فالاشتراكيون الديمقراطيون «PSD» الذين شكّلوا معها ائتلافاً موالياً للاتحاد الأوروبي لم يمضِ عليه عام، قرروا الانسحاب منه والتصويت معاً مع أحزاب اليمين المتطرف على حجب الثقة.
وكانت النتيجة، 281 صوتاً مقابل 233 كانت لازمة، وسقوط حكومة رئيس الوزراء الليبرالي إيلي بوليجان، كشف عن كارثة بالنسبة لدولة عضو في حلف الشمالي الأطلسي «الناتو» لها حدود مع أوكرانيا.
ما الذي حدث؟
يعود المحللون بالسياق إلى شهر تشرين الأول-أكتوبر 2024، حين اكتسح المرشح القومي الموالي لروسيا كالين جيورجيسكو الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية قبل أن تُلغيها المحكمة الدستورية بسبب شبهات التدخل الروسي.
وتلا ذلك تشكيل تحالف برلماني واسع جمع أحزاباً متباينة خوفاً من وصول اليمين المتطرف للسلطة، وفاز بالرئاسة المرشح المستقل الموالي لأوروبا نيكوسور دان، وشكّلت حكومته الائتلافية بقيادة بوليجان.
لماذا تخلى الاشتراكيون عن الحكومة؟
وكشف كريستيان بريدا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوخارست، وهو مقرّب من حزب الشعب الأوروبي، لـ»فرانس إنفو» الحسابات وراء هذه الخطوة، حيثُ قال إن «الاشتراكيين يرون شعبيتهم تتراجع لصالح اليمين القومي بسبب تدابير التقشف، ويسعون للحدّ من الخسائر».
وتوضح استطلاعات الرأي تلك المخاوف، إذ يحوم حزب «AUR» القومي بقيادة جورج سيميون حول 37% ، بينما يتراجع PSD إلى نحو 20%.
بدوره قال جان-ميشيل دو فاييل من مركز «ULB» لـ»لاليبر» البلجيكية: «بما أن التقشف ليس في طبيعة PSD الأيديولوجية، فقد قرروا الانسحاب وإعادة التفاوض من موقع مختلف».
أما عمق الانقسام فيبينه المحلل سيرجيو ميسكويو لـ»فرانس إنفو»، الذي قال: «رئيس الوزراء والليبراليون أرادوا إصلاحات متسارعة في نظام المعاشات وتطهير الحياة العامة، فيما أصرّ PSD على حماية المهمّشين وبالطبع قواته المحلية المستفيدة من دعم الدولة».
التقشف
وتُبرز «لاليبر» الأرقام الاقتصادية التي قادت إلى هذه الأزمة، إذ أن رومانيا تمتلك أعلى عجز موازنة في الاتحاد الأوروبي بلغ 7.9% من الناتج المحلي في الربع الأخير من 2025، وتُعاني من تضخم يقترب من 10%، الأعلى أوروبياً.
وأقدم بوليجان على رفع ضريبة القيمة المضافة وفرض ضرائب إضافية على العقارات وتجميد رواتب القطاع العام، هذه الإجراءات خفّضت العجز من 9.5% إلى 7% في عام واحد، وهو بحسب جاك روبنيك من معهد «سيانس بو» «تشديد جذري نسبياً»، لكن الثمن السياسي كان باهظاً.
«تحالف العار»
من جهتها تشير مجلة «لوبوان» الفرنسية إلى الجانب الأكثر إثارةً للقلق في هذه الأزمة، للمرة الأولى في تاريخ رومانيا الديمقراطية الحديثة، تحالف «PSD» مع حزب «AUR» اليميني المتطرف لإسقاط حكومة.
وأدانت أحزاب الوسط واليمين وما يزيد على 30 منظمة مدنية ما أسمته «تحالف العار»، متهمة الاشتراكيين بالانزلاق نحو «المعاداة للأوروبية».
الرابح الأكبر
ويتفق المحللون على المستفيد الأكبر، حيث يقول بريدا لـ»فرانس إنفو»: «الفائز الأكبر هو جورج سيميون، الذي أقنع أكبر حزب في البلاد، PSD، بالتصويت ضد حكومته الائتلافية».
ويُبين ميسكويو، أن «اليمين المتطرف سيتراجع إلى المعارضة كي لا يتحمل أعباء التقشف في الحكومة، ويتموضع للانتخابات التشريعية 2028. إنه الرابح الأكبر».
وتبدو الأرقام صادمة، ثلاثة أحزاب يمينية متطرفة في البرلمان «AUR» و»POT» و»SOS» وتمثل مجتمعةً أكثر من ثلث المقاعد، وتُشير «لوبوان» إلى أن سيميون نفسه تجاوز 40% في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية 2025.
السيناريوهات المقبلة
أمام الرئيس نيكوسور دان خياران أساسيان وفق «لاليبر»: حكومة أقلية تبحث عن تصويت لكل قرار، أو انتخابات مبكرة «يُقال إن الرئيس يرفضها». وفي كلتا الحالتين، فإن أي رئيس وزراء جديد سيحتاج أغلبية برلمانية مستعصية.
والأسوأ يتمثل في السيناريو الاقتصادي، ويُحذّر الباحثون من احتمال لجوء رومانيا إلى صندوق النقد الدولي في الأشهر القادمة، في ظل انهيار العملة المحلية وارتفاع تكاليف الاقتراض.
ويلخّص بريدا الصورة قائلا: «نتجه نحو سيناريو عدم استقرار مزمن، شبيه نوعاً ما بالوضع في بلغاريا».
فرومانيا، التي لها حدود مع أوكرانيا وتُطل على مولدوفا التي يحلم سيميون بضمّها، تدخل مرحلة هشة، فالحزب الذي ساعد على بناء حصن ضد اليمين المتطرف، هو نفسه من أسقطه عندما رأى شعبيته تتآكل، والانتهازية السياسية لليسار أعطت اليمين المتطرف ما عجز عن انتزاعه في صناديق الاقتراع.