رئيس الدولة ورئيس وزراء كندا يبحثان هاتفياً العلاقات الثنائية والتطورات بالمنطقة
الرئيس الأمريكي: الوقت حان كي يكون لأوكرانيا «رئيس جديد»
صفقة الديزل تفجّر الخلاف بين ترامب وزيلينسكي
لم يكن هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجرد خلاف عابر حول الحرب في أوكرانيا. فبعد إعلان ترامب اتفاقاً مفاجئاً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين يسمح لموسكو بتوريد كميات من الديزل إلى السوق الأمريكية والعالمية مقابل تعليق مؤقت للعقوبات المفروضة على هذا القطاع، انتقد زيلينسكي الصفقة باعتبارها “قراراً ضعيفاً” يمنح روسيا مورداً لتمويل حربها المستمرة منذ عام 2022.
وبعد ساعات، صعّد ترامب لهجته قائلاً إن الوقت حان كي يكون لأوكرانيا “رئيس جديد”، في واحدة من أكثر العبارات مباشرة التي وجهها إلى حليفه السابق في إدارة الحرب.
ويرى رافائيل جاكوب، الباحث في السياسة الأمريكية، أن طبيعة ترامب الشخصية تفسر جانباً مهماً من التصعيد؛ فهو، بحسب ما نقلت عنه صحيفة “لابريس” الكندية، شديد الحساسية تجاه الانتقادات، وكان متوقعاً أن يرد على اعتراض زيلينسكي بهجوم مضاد.
لكن تفسير جاكوب لا يقف عند حدود المزاج الشخصي للرئيس الأمريكي. فخلف الخطاب السياسي تكمن أزمة اقتصادية داخلية أكثر إلحاحاً، عنوانها ارتفاع أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
الوقود قبل أوكرانيا
يقول جاكوب إن اتفاق واشنطن وموسكو يعكس “إدارة قصيرة جداً للأمد”؛ فالولايات المتحدة تحتاج إلى إمدادات طاقة إضافية الآن، من منظور سياسي قبل أي اعتبار آخر. ويعتقد أن ترامب يعرف أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يثير استياء الأمريكيين، ويهدد قدرة الجمهوريين على الحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس.
وترجّح أحدث استطلاعات “نيويورك تايمز” تقدم الديمقراطيين وإمكان استعادة السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي. ومن هذا المنظور، تبدو صفقة الديزل محاولة لتخفيف ضغط الأسعار سريعاً، حتى لو أدت إلى تقديم تنازل مؤقت لروسيا أو أثارت غضب أوكرانيا.
واقر الكونغرس في سبتمبر-أيلول عقوبات تسمح بفرض رسوم جمركية على الدول الخمس الأكبر استيراداً للوقود الروسي، ومن بينها الصين والهند. غير أن التفاهم الجديد مع موسكو يفتح استثناءً عملياً، ويكشف أن حسابات السوق الأمريكية قد تتقدم على أهداف العقوبات حين ترتفع كلفة الطاقة داخلياً.
موسكو مستفيدة.. لكن الحرب مستمرة
يتضمن الاتفاق، وفق إذاعة “فرانس إنفو”، السماح بتسويق 300 ألف طن من الديزل الروسي فوراً، و500 ألف طن في نوفمبر-تشرين الثاني، ثم مليون طن إضافي لاحقاً. وتطالب واشنطن في المقابل كييف بوقف هجماتها على المصافي الروسية، وهي ضربات تقول التقارير إنها ألحقت أضراراً بالاقتصاد الروسي خلال الأشهر الأخيرة.
وبينما ترى موسكو في الاتفاق فرصة لتجاوز جزء من العقوبات واستعادة عائدات تصدير الطاقة، ويقدمه ترامب باعتباره وسيلة لخفض أسعار الوقود. حذر زيلينسكي من أن السماح لروسيا ببيع الديزل يعني توفير أموال جديدة لمواصلة الحرب، واصفاً الاتفاق بأنه قرار ضعيف صادر عن “شريك قوي».
ولا يعتقد جاكوب أن الصفقة ستنهي النزاع أو تقود إلى تحول حقيقي في السلوك الروسي. فالتقارب التكتيكي بين واشنطن وموسكو، في رأيه، لا يعني أن البلدين أصبحا صديقين، ولا يضمن تحسناً في الموقف الروسي داخل أوكرانيا أو في مناطق أخرى من العالم.
ضربة لمصداقية واشنطن
يذهب الخبير الأمريكي كذلك إلى أن الضرر الأكبر يقع على صورة الولايات المتحدة؛ فالعلاقة مع الخصوم لم تتحسن منذ عودة ترامب إلى السلطة، فيما تدهورت علاقات واشنطن مع عدد من حلفائها.
ويقول جاكوب إنه من الصعب النظر إلى أي منطقة في العالم ومقارنتها بما كانت عليه عند وصول ترامب إلى الحكم، ثم القول إن الوضع تحسن.
ويأتي ذلك في وقت لا يرى فيه الأمريكي العادي أن الحرب في أوكرانيا هي المصدر الأكبر لمعاناته اليومية. فبحسب جاكوب، أحدثت الحرب الأوكرانية “صدمة في السوق الغربية” خلال أشهرها الأولى، لكن الحرب في إيران أصبحت اليوم العامل الأكثر إيلاماً بسبب تأثيرها في الطاقة والإنفاق العسكري.
وتشير “لابريس” إلى أن الحرب الإيرانية كلفت الجيش الأمريكي أكثر من 43 مليار دولار منذ 28 فبراير-شباط؛ ما يزيد الضغط على إدارة ترامب للبحث عن حلول سريعة لتأمين الوقود.
هل يستفيد زيلينسكي من تصريح ترامب؟
رغم رغبة ترامب الظاهرة في إضعاف الرئيس الأوكراني، يستبعد جاكوب أن تنجح هذه الحملة في زعزعة موقعه داخلياً. بل يرى أن النتيجة قد تكون عكسية؛ لأن الهجوم الصادر من الخارج قد يدفع الأوكرانيين إلى الالتفاف حول قيادتهم.
وقد سارع وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إلى الدفاع عن زيلينسكي، مؤكداً أن الرئيس يحظى بدعم الشعب الأوكراني وأن الأوكرانيين وحدهم يملكون حق تقرير قيادتهم. واعتبر أن التصريحات الأجنبية لا تفعل سوى تأكيد أن زيلينسكي يؤدي عمله ويستحق الدعم.
كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام “تضامنه الكامل” مع زيلينسكي، بينما وصف رئيس الوزراء الفرنسي السابق فرانسوا بايرو تصريحات ترامب بأنها “مخجلة وغير مسبوقة».
وتكشف هذه المواقف أن محاولة واشنطن فرض تغيير سياسي في كييف قد تنتج عزلة أكبر للولايات المتحدة بين حلفائها، بدلاً من إخضاع أوكرانيا.
وفي المحصلة، هذا المطلب يضعف مصداقية واشنطن، ويمنح روسيا متنفساً اقتصادياً، وقد يحول زيلينسكي من حليف محاصر إلى رمز وطني يواجه ضغطاً خارجياً باسم الدفاع عن القرار الأوكراني.