عقدة «إف-35» تحت الاختبار.. هل يملك أردوغان مفتاح الحل لأزمة الدفاع الأطلسية؟
أظهرت قمة الناتو في أنقرة سعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى نقل ملف القيود الدفاعية المفروضة على بلاده إلى صدارة العلاقة مع الحلف، مستفيدًا من حاجة أوروبا إلى الذخائر ومنظومات الدفاع، ورغبة واشنطن في توزيع كلفة الأمن على الحلفاء، مع استمرار علاقات أنقرة بموسكو على نحو يثير اعتراضًا داخل الدوائر الأمريكية والأطلسية.
وخلال القمة التي استضافتها أنقرة في السابع والثامن من تموز، دعا أردوغان الحلفاء إلى رفع القيود المفروضة على التعاون في الصناعات الدفاعية، معتبرًا أن تحقيق أهداف القدرات داخل الناتو لا يمكن أن يستقيم مع استمرار الحظر والقيود بين الأعضاء، في إشارة مباشرة إلى ملف ظل يطارد العلاقة التركية الغربية منذ صفقة منظومة S-400 الروسية، وأزمة إخراج أنقرة من برنامج F-35. وتفيد معلومات مصادر سياسية تركية لـ»إرم نيوز» بأن أردوغان يسعى بعد قمة أنقرة إلى إبقاء ملف القيود الدفاعية مفتوحًا كأداة ضغط على الحلفاء، بما يسمح لحكومته بتسويق أي اختراق محدود في العلاقة مع الغرب كإنجاز سياسي داخلي، وطلب أثمان دفاعية إضافية تحت عنوان مساهمة تركيا في أمن أوروبا. وتضيف أن أردوغان يريد تحويل هذا الملف إلى رافعة سياسية داخلية في الأسابيع المقبلة، عبر تقديم أي تراجع غربي محدود في القيود الدفاعية كدليل على أن سياسة التصعيد والمساومة أعادت فتح الأبواب المغلقة، مع ترك العلاقة مع موسكو في ملفات الطاقة، والبحر الأسود، وأوكرانيا، خارج أي مراجعة حكومية معلنة.
سباق التسليح
وحسابات أنقرة
وذكرت وكالة «رويترز» أن قمة أنقرة شهدت عرضًا واسعًا لصفقات تسليح كبرى، بالتزامن مع ضغط أمريكي على أوروبا لرفع الإنفاق الدفاعي، كما أعلن الحلف حزمة دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو لعام 2026، إضافة إلى صفقات أسلحة لا تقل قيمتها على 50 مليار دولار، وهي أرقام تضع مطلب أردوغان ضمن سباق تسليح أطلسي واسع تحاول أنقرة انتزاع حصة منه. فيما تشير المصادر إلى أن الرئاسة التركية تريد إبقاء ملف القيود الدفاعية مرتبطًا بحزمة أوسع تشمل تحديث سلاح الجو، وإعادة ترتيب موقع أنقرة في برامج الدفاع الأوروبية، وتخفيف القيود على مكونات عسكرية تدخل في إنتاج الطائرات المسيّرة، وهي ملفات توسع نطاق المطالب التركية إلى ما يتجاوز إعلان رفع حظر محدود. وتزامن ذلك مع عودة ملف الطيران العسكري إلى واجهة العلاقة التركية الأمريكية، بعدما نشرت «رويترز»، قبل القمة، أن واشنطن تمضي في مبيعات محركات طائرات إلى تركيا، مع بقاء عقدة S-400 قائمة أمام أي عودة تركية إلى برنامج F-35، لأن القانون الأمريكي لا يسمح لأنقرة بتشغيل المنظومة الروسية، وامتلاك مقاتلات الجيل الخامس.
الثقة الدفاعية
وملف موسكو
يرى المحلل السياسي التركي كمال جان، أن قمة أنقرة كشفت حدود الحركة التركية داخل الناتو، لأن الحلفاء لا ينظرون إلى العلاقة مع روسيا كملف منفصل عن الثقة الدفاعية، خاصة مع استمرار خطوط الطاقة والتجارة والتنسيق في البحر الأسود خارج أي تعديل معلن.
ويقول جان في حديث لـ»إرم نيوز»، إن أردوغان يحاول استخدام حاجة الناتو إلى تركيا في أوكرانيا والبحر الأسود لفتح ملفات التسليح والتكنولوجيا، غير أن هذه الحاجة لا تلغي الشكوك المتراكمة منذ صفقة S-400، وخروج أنقرة من برنامج F-35، كما لا تمنح الحكومـة التركية قدرة مفتوحة على الجمع بين الامتيــــازات الأطلسية والعلاقة الروسية بالصيغة الحالية. ويضيف أن أنقرة تدرك حاجة الغرب إلى موقعها داخل الحلف، لكنها تصطدم بسقف سياسي لا يسمح بتمرير مطالب التسليح والتكنولوجيا مع استمرار إدارة العلاقة مع موسكو بالصورة نفسها.
وزاد رد موسكو على مخرجات القمة من حساسية الموقع التركي، إذ نقلت «رويترز» عن المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا انتقادها قرارات الناتو بشأن أوكرانيا والدفاع، ووصفتها بأنها تصعيد في عسكرة أوروبا، وتحضير لصدام مع روسيا، في وقت حرصت أنقرة على إبقاء قنوات الطاقة، والتجارة، والبحر الأسود، خارج أي مراجعة معلنة.
البحر الأسود
يضغط على أنقرة
في حين كشف مصدر دبلوماسي أوروبي لـ»إرم نيوز» أن أطرافًا أوروبية أبلغت الجانب التركي خلال لقاءات أنقرة أن مطلب رفع القيود الدفاعية لا يمكن فصله عن ملفات الثقة داخل الحلف، خاصة بعد استمرار قنوات الطاقة والتجارة والتنسيق البحري مع موسكو خارج منظومة العقوبات الغربية.
ووفق المصدر، شملت الأسئلة الأوروبية حدود الدور التركي في البحر الأسود، ومستوى التنسيق القائم مع روسيا في ملف الطاقة، وطريقة استخدام أنقرة لقناة التواصل مع موسكو في ملف أوكرانيا، مع تسجيل ملاحظات مباشرة على طلب تركيا موقعًا أوسع داخل الترتيبات الدفاعية للحلف من دون تعديل معلن في هذه الملفات. ويقول المصدر إن الوفد التركي لم يقدم، خلال اللقاءات الجانبية، إشارات كافية حول مراجعة العلاقة مع موسكو، وركز بدلًا من ذلك على دور أنقرة في البحر الأسود، وملفات الطاقة، والحبوب، وأوكرانيا، بما أبقى مطلب رفع القيود الدفاعية مرتبطًا بملف الثقة داخل الحلف.