فرنسا.. عشاء ترامب بـ «قصر فرساي» يشعل الجدل حول الإنفاق الحكومي

فرنسا.. عشاء ترامب بـ «قصر فرساي» يشعل الجدل حول الإنفاق الحكومي

تحت بريق الذهب وفي قلب «قاعة المرايا» التاريخية، استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، نظيره الأمريكي دونالد ترامب، في عشاء ثنائي في قصر فرساي، في خطوة دبلوماسية هدفت إلى «إبهار» الرئيس الأمريكي وإعادة ربطه بالمصالح الأوروبية في ختام قمة إيفيان. 
ورغم تأكيد الإليزيه أن العشاء سيكون «صريحًا وعمليًا»، إلا أن اختيار قصر لويس الرابع عشر، بقاعة مرايا تضم 357 مرآة وجداوله الملكية، أثار تساؤلات في الأوساط الفرنسية حول التكلفة الحقيقية لهذه «الدبلوماسية الفاخرة» على كاهل دافع الضرائب، خاصة في ظل العجز المالي الذي تعاني منه البلاد.

ضرورة دبلوماسية
ويعكس هذا العشاء استراتيجية ماكرون «المجربة» في التعامل مع ترامب؛ حيث يدرك الرئيس الفرنسي عشق نظيره الأمريكي للمظاهر والفخامة، وهو ما عبر عنه ترامب بصراحته المعهودة قائلاً: «فرساي ليست مجرد طلاء بالذهب، إنها شيء ثقيل وحقيقي.. لذا قلت إنني أود القيام بذلك». 
وبينما يحاول الإليزيه تسويق الحدث كضرورة دبلوماسية لتأمين المصالح القومية، يرى منتقدون أن الفخامة الملكية قد لا تكون كافية لترويض ترامب، محذرين من أن الفاتورة قد تكون باهظة الثمن مقابل نتائج سياسية غير مضمونة.
وحرص ماكرون على الحديث عن الدعوة، في مقابلة أجراها مع قناة «تي إف 1» قبيل القمة قائلاً: الأمر ليس مأدبة عشاء احتفالية أو مناسبة من هذا النوع». بل إن قصر الإليزيه وعد بعشاء عمل «متقشف» يجمع بين الوفدين.
وبحسب تقرير لصحيفة «لو فيغارو»، رغم تصريحات ماكرون، إلا أن السوابق التاريخية تشير إلى أرقام صادمة؛ ففي عام 2023، كشف تقرير لديوان المحاسبة الفرنسي أن مأدبة العشاء التي أقيمت للملك تشارلز الثالث، في فرساي كلفت نحو 475 ألف يورو، شملت 166 ألف يورو لخدمات الطعام التي أشرف عليها طهاة حائزون على نجوم ميشلان، و42 ألف يورو للمشروبات الفاخرة، بالإضافة إلى 100 ألف يورو لتكاليف الموظفين الإضافيين.
وتشير التقارير إلى أن عشاء ترامب قد لا يقل تكلفة، رغم إلغاء عرض الألعاب النارية و»النوافير الليلية» لتقليل النفقات.
ومع ذلك، فإن استئجار قاعة المرايا وتجهيزها بالشمعدانات والخدم بالزي الرسمي يظل مكلفاً للغاية؛ حيث بلغت تكلفة استئجار الأثاث والمعدات في مناسبات مماثلة نحو 90 ألف يورو. 
ويؤكد ديوان المحاسبة أن هذه الأرقام تمثل فقط «التكاليف المباشرة»، ولا تشمل نفقات التأمين والحماية التي تتحملها وزارات أخرى، مما يرفع الفاتورة الإجمالية بشكل كبير.

نتائج عكسية
من الناحية السياسية، يدافع الإليزيه عن هذه النفقات باعتبارها «أداة دبلوماسية ثقيلة الوزن»، ويشير المؤرخ جان غاريغ، في تصريحات لـ»لو فيغارو»، إلى أن فرنسا تستغل هذه المناسبات لـ «إبهار العالم بعظمتها» وتثبيت موقعها كقوة توازن عالمية. 
وأوضح غاريغ أن الهدف من عشاء فرساي هو استغلال الذكرى الـ 250 للاستقلال الأمريكي – الذي وُقعت معاهدته في فرساي عام 1783 – لتذكير ترامب بالروابط التاريخية العميقة بين باريس وواشنطن، ومحاولة ثنيه عن سياساته الحمائية وتوجهاته المناهضة للاتحاد الأوروبي.
في المقابل، تبقى المقارنات المالية حاضرة في ذهن الجمهور الفرنسي؛ فعشاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في اللوفر كلف 412 ألف يورو، بينما كان عشاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في الإليزيه «متواضعاً» بتكلفة 138 ألف يورو. 
ويرى منتقدو ماكرون أن المبالغة في الإنفاق على «إرضاء» ترامب قد تأتي بنتائج عكسية إذا لم تترجم إلى مكاسب ملموسة في ملفات التجارة والأمن، خاصة وأن ترامب لا يتردد في وصف الإدارة الفرنسية بالضعف رغم «كرم الضيافة».
وبينما ينتظر دافع الضرائب الفرنسي صدور التقرير القادم لديوان المحاسبة لمعرفة الرقم النهائي لهذه السهرة، تظل الحكومة الفرنسية تراهن على أن «عظمة فرساي» هي الثمن الذي يجب دفعه للبقاء في دائرة التأثير العالمي، حتى لو كان ذلك يعني إنفاق مئات الآلاف من اليورو على عشاء واحد في زمن التقشف.