جنود ومطارات ورادارات
كيف توسع الدنمارك حضورها قبل التسوية الأمريكية؟
وسّعت الدنمارك انتشارها العسكري في غرينلاند بالتوازي مع استمرار المفاوضات الثلاثية مع الولايات المتحدة وحكومة الجزيرة، وذلك في مسار يربط الترتيبات الدفاعية الجديدة بالموقف التفاوضي لكوبنهاغن حول مستقبل الوجود الأمريكي في القطب الشمالي.
وأرسلت الدنمارك مطلع أيلول-سبتمبر مجندين إلى غرينلاند للمرة الأولى في التاريخ الحديث، ضمن برنامج تدريب قطبي توسع هذا العام، فيما تستعد القوات الدنماركية ووحدات من 9 دول أطلسية أخرى لمناورات «درع القطب الشمالي 2026» بين 7 و18 سبتمبر-أيلول بمشاركة نحو 400 عسكري في جنوب الجزيرة ومحيط كانغرلوسواك. وتندرج المناورات ضمن مهمة «حارس القطب الشمالي» التي أطلقها «الناتو» لتعزيز حضوره في المنطقة.
توسيع الانتشار
الأمريكي في غرينلاند
وقال مصدر دبلوماسي دنماركي لـ»إرم نيوز» إن كوبنهاغن أبلغت الجانب الأمريكي في الاتصالات الأخيرة استعدادها لتوسيع الاستخدام العسكري الأمريكي لمنشآت في غرينلاند وإتاحة مواقع إضافية لأغراض الرصد والإنذار المبكر والدعم اللوجستي، على أن تدخل الترتيبات الجديدة ضمن اتفاق الدفاع القائم بين البلدين وتخضع لقواعد متفق عليها مع حكومة غرينلاند.
وكشف المصدر أن الجانب الدنماركي طرح خلال الجولة الفنية الأخيرة صيغة تشمل توسيع قدرة القوات الأمريكية على استخدام مطارات مدنية وعسكرية محددة في الحالات العملياتية، وإنشاء مرافق لتخزين الوقود والمعدات، وتطوير قدرات الرادار والاتصالات في شمال الجزيرة. وأضاف أن كوبنهاغن تريد تحديد المواقع والمهام ومدد الانتشار في ملاحق تنفيذية منفصلة تسمح بتعديل الاحتياجات العسكرية من دون إعادة فتح الوضع القانوني للجزيرة.
وأشار المصدر إلى أن وزارة الدفاع الدنماركية تعمل بالتوازي على زيادة الوحدات القادرة على الانتشار الدوري في غرينلاند، وتوسيع التدريب المشترك مع دول «الناتو»، وتجهيز كانغرلوسواك كمركز أكثر قدرة على استقبال القوات والطائرات. ووفق المصدر، يرتبط تسريع هذه الإجراءات برغبة كوبنهاغن في الدخول إلى المرحلة النهائية من التفاوض وهي تمتلك قدرة دفاعية أطلسية قائمة على الأرض يمكن دمج الاحتياجات الأمريكية ضمنها.
وجاءت التحركات بعد إعلان وزير خارجية غرينلاند موتي إيغيدي في الثاني من الشهر الجاري استمرار الحوار مع واشنطن، مع امتناعه عن كشف تفاصيله. وكانت الدنمارك أعلنت سابقًا استعدادها لتوسيع اتفاق الدفاع الموقع عام 1951، بينما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن المحادثات تركز على الدفاع الصاروخي واستخدام غرينلاند في الدفاع الجماعي وتُعقد بصورة شهرية.
واشنطن تطلب
وصولًا عسكريًا أوسع
في حين قال مصدر دبلوماسي أمريكي مقرب من البيت الأبيض لـ»إرم نيوز» إن المفاوضات الحالية تركز على حزمة عملياتية تتضمن ضمان وصول أمريكي طويل الأمد إلى مواقع إضافية، وتوسيع قدرات الإنذار الصاروخي والفضائي، وإنشاء بنية لوجستية تسمح باستقبال الطائرات والقوات بسرعة في حالات الطوارئ، إلى جانب تسهيل استخدام الموانئ والمطارات من القوات الأمريكية.
وأضاف المصدر أن الإدارة تريد اتفاقًا يقلص الحاجة إلى مفاوضات منفصلة في كل عملية انتشار أو توسعة للبنية العسكرية، ويمنح القيادة الأمريكية قدرة أكبر على التخطيط المسبق للدفاع عن الممرات الجوية والبحرية بين أمريكا الشمالية وشمال الأطلسي. وأوضح أن المسار الحالي يركز على الصلاحيات العسكرية العملية، فيما بقيت مسألة السيادة خارج الصياغات الفنية المطروحة بين الوفود.
وتأتي هذه الاتصالات بعد أشهر من التوتر الذي أثارته مطالب الرئيس دونالد ترامب بالسيطرة الأمريكية على غرينلاند. وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن في يوليو-تموز استعداد بلادها للدفاع عن كامل أراضي المملكة، فيما قال وزير خارجيتها لارس لوكه راسموسن إن التفاوض يستهدف تلبية المصالح الأمنية الأمريكية ضمن الخطوط التي حددتها المملكة وحكومة غرينلاند.
الناتو يبحث عن
صيغة تحمي تماسكه
من جانبه، يرى الخبير الجيواستراتيجي والمدير السابق للتخطيط السياسي في «الناتو» فابريس بوثيه، في حديثه لـ»إرم نيوز»، أن غرينلاند أصبحت اختبارًا لقدرة الحلف على استيعاب المصالح الأمريكية في القطب الشمالي ضمن بنية دفاع جماعية قابلة للاستمرار. ويعتبر أن زيادة القوات والتدريبات تمنح الناتو فرصة لصياغة خطة دفاعية للمنطقة تحدد الاحتياجات العسكرية والمساهمات الوطنية ومسؤوليات القيادة بصورة أكثر وضوحًا.
ويضيف بوثيه أن الحل الأكثر قابلية للاستمرار يقوم على إدماج القدرات الأمريكية المطلوبة في تخطيط أطلسي أوسع يشمل الدنمارك وكندا والنرويج ودول شمال أوروبا، مع إعطاء حكومة غرينلاند دورًا مؤسسيًا في القرارات التي تمس أراضيها. ويلفت إلى أن هذه الصيغة تستطيع تحويل الجزيرة إلى ركيزة في دفاع شمال الأطلسي وتعزيز الإنذار المبكر وحماية طرق الإمداد.
وتزداد أهمية هذا المسار مع تصاعد المنافسة العسكرية في القطب الشمالي؛ فقد وصفت موسكو في نهاية آب/أغسطس توسع أنشطة الناتو في المنطقة بأنه تهديد مباشر، فيما يواصل الحلف تطوير مهمة «حارس القطب الشمالي». كما تستضيف كوبنهاغن في 18 و19 سبتمبر اجتماع اللجنة العسكرية للناتو على مستوى رؤساء الدفاع، ما يمنح الملف القطبي موقعًا متقدمًا في الحسابات الدفاعية للحلف.