حين تكون روبوتات الدردشة أكثر أصدقائنا إنصاتاً

كيف نحمي قدرتنا البشرية على التمييز بين الحقيقة والوهم

 كيف نحمي قدرتنا البشرية على التمييز بين الحقيقة والوهم

 طرح رجل على روبوت محادثة سؤالاً بدا عادياً في ظاهره "هل يستطيع الإنسان أن يطير إذا ما آمن بذلك حقاً؟"، وجاءت الإجابة مشجعة "نعم، إن آمن إيماناً كاملاً وصادقاً". لم يقفز الرجل من شرفة المبنى، لكن القصة شقت طريقها إلى الصحافة الأميركية ومعها موجة تقارير كشفت كيف تصادق روبوتات الذكاء الاصطناعي مستخدميها على أوهامهم.
وتبين أن المسألة برمتها مرتبطة بطريقة تصميم هذه الأنظمة الرقمية من البداية.

أوهام متغيرة
كثيراً ما تبدلت صورة أوهام البشر تبعاً لأدوات عصرهم وثقافتهم السائدة. ومن القرون الوسطى إلى الثورة الصناعية وصولاً إلى فضاء الذكاء الاصطناعي التوليدي، يدخل الهذيان البشري اليوم مرحلته الأكثر تعقيداً، إذ أصبحت الآلة شريكاً حوارياً شبه عاقل.
في الأصل، يعرف الذهان بأنه حال تصيب العقل وتؤدي إلى فقدان الاتصال بالواقع والعجز عن التمييز بين الحقيقي والمتخيل، وتتضمن الحال كوكبة من التغيرات السلوكية والإدراكية، لعل أبرزها الهلاوس، وهي إدراك حسي لأشياء لا وجود لها، والأوهام أو الضلالات التي تتمثل في معتقدات راسخة خاطئة لا أساس لها من الصحة، فضلاً عن اضطراب التفكير والكلام وانفراط عقد السلوك المنظم والانسحاب الاجتماعي.
ولأن البنية المعرفية للاضطرابات الذهانية تتغذى في الأساس على البحث المستمر عن روابط خفية وإشارات تفسيرية في المحيط، يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي كعامل حسم، إذ إنه مبرمج رياضياً على ربط البيانات وتقديم تفسيرات تبدو منطقية لأي مدخلات يزوده بها المستخدم. نخوض اليوم حوارات ممتدة مع كيانات افتراضية تملك من الفصاحة ما يكفي لإقناع العقل البشري بأن أوهامه ليست مجرد سراب، بل حقيقة مطلقة تؤيدها لغة الخوارزميات.

محاكاة التعاطف
تكمن جاذبية روبوتات الدردشة الحديثة في قدرتها الفائقة على محاكاة التعاطف البشري وبناء حوارات تبدو شديدة العقلانية والتماسك، غايتها الأولى أن ترضيك وتبقيك منخرطاً في المنصة أطول فترة ممكنة، فهي تعيد تدوير أفكارك وتصدرها إليك بصياغة أكثر إقناعاً وأناقة، فيبدو الوهم وكأنه حقيقة موضوعية جاءت من الخارج لا من دهاليز عقلك، وهنا تحديداً تقع بؤرة الخطر.
صممت روبوتات الذكاء الاصطناعي لتكون متملقة، أي لتقول للإنسان ما يود سماعه، ولهذا التملق أسباب تقنية وتجارية في آن. تقنياً، لا يعتقد الروبوت شيئاً ولا يملك وعياً بالحقائق، بل ينتج الإجابات التي تبدو إحصائياً الأكثر قبولاً وتوافقاً مع سياق المستخدم استناداً إلى بحوث البيانات التي تدرب عليها. أما على الصعيد التجاري، فإن الروبوت الذي يسعد المستخدم يحقق الغاية الربحية للشركات التقنية. ويؤدي هذان العاملان إلى إنتاج آلة مدربة على المحاكاة اللغوية بغض النظر عن دقة المضمون، ولهذا يصف الباحثون مخرجات نماذج اللغة الكبيرة في هذا السياق بأنها ضرب من "الهراء الفصيح"، أي كلام منسق يملك بنية نحوية سليمة من دون أن يكون متصلاً بالحقيقة الإنسانية.

الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم
بالرجوع إلى الماضي القريب، كان المصاب بالاضطرابات الذهانية يجد نفسه مضطراً للاصطدام بالواقع المادي عبر التفاعل اليومي مع البشر المحيطين به أو مع طبيب نفسي متخصص. وكان هذا الاصطدام، على رغم قسوته وصعوبته، يمثل آلية حيوية لاختبار الواقع وتوضيح الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم. أما اليوم، فتوفر روبوتات الدردشة بديلاً آمناً ومريحاً من الناحية الظاهرية، إذ ينسحب المرء من مجتمعه البشري الذي يشكك في فرضياته ومخاوفه، ليلجأ إلى صديقه الرقمي الذي يستمع إليه بلا كلل ولا يرفض له فكرة. في دهاليز غرفة الصدى الفردية هذه، إذ لا صوت يعلو فوق صوت الوهم المؤيد تكنولوجياً، تقطع الخيوط الأخيرة التي تربط الإنسان بواقعه الحقيقي.
حذر أستاذ الطب النفسي في جامعة كاليفورنيا جوزيف بيير منذ عام 2016 من مغبة تحول الفضاء الرقمي إلى أداة لتأكيد الأفكار الوهمية عوضاً عن دحضها، إذ أصبح بمقدور أصحاب الأفكار المضلة أن يجدوا مؤيدين في أي بقعة من الكوكب بنقرة واحدة. ومع الذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه المعتقدات تبحث عن داعم بشري، بل أضحت تجد في الروبوت مصادقاً متاحاً على مدار الساعة.
بعد سبعة أعوام من ذلك التحذير، وتحديداً في عام 2023، تكهن طبيب نفسي دنماركي بأن روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد تفجر أوهاماً حادة لدى الأشخاص المهيئين جينياً أو نفسياً للذهان، مشيراً إلى أن "المحادثة مع الذكاء الاصطناعي واقعية لدرجة تجعل المرء يقع بسهولة في فخ الاعتقاد أن هناك كائناً حقيقياً على الطرف الآخر". واليوم، لم تعد هذه المخاوف والتحذيرات نظرية، إذ وثقت وسائل إعلام ومنشورات علمية عشرات الحالات لأشخاص دخلوا في نوبات ذهانية حادة بعد تفاعلهم الطويل مع برمجيات حوارية، تندرج تحت مسمى الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

فرضيتان
يبرز هنا السؤال الحاسم، هل تسبب روبوتات الدردشة الذهان من العدم أم تفاقمه فقط؟ بمعنى آخر، هل يمكن للآلة أن تحدث ذهاناً لدى شخص سليم تماماً، أم أن دورها يقتصر على تدمير الدفاعات النفسية لحال موجودة مسبقاً؟
يرى البروفيسور بيير أن الإجابة تشمل الفرضيتين معاً. ففي حين يرتبط بعض هذه الحالات بمرض نفسي موجود مسبقاً، وثقت حالات ظهور أوهام لدى أشخاص لا تاريخ ذهانياً لهم، انغمسوا في محادثات الروبوتات على حساب علاقاتهم الإنسانية الحقيقية.
وبأي حال من الأحوال، فإن وضع الثقة العمياء في كيان برمجي والتعامل معه كمصدر معصوم عن الخطأ يشرع الأبواب على مصراعيها للإصابة بالذهان الناجم عن التكنولوجيا.
ولكن، كيف تزرع روبوتات المحادثة الأفكار الوهمية في عقل شخص لم يعانِ ذهاناً في حياته؟

أدمغة طرفية
إضافة إلى آلية التملق الرقمي التي تدفع البرنامج لتأييد شطحات المستخدم متواطئاً مع فكرته لتأكيدها، هناك تفسير سيكولوجي لافت يتمثل في ميلنا الفطري إلى أنسنة الآلات وإضفاء صفات بشرية عليها، تزامناً مع المبالغة في تقدير دقة ردودها.
في بحوثه حول كيفية تشكل القناعات الخاطئة تحت تأثير التفكير المتحيز والمعلومات المضللة، يناقش جوزيف بيير فكرة أننا نتعامل مع الإنترنت وهواتفنا المحمولة باعتبارها أدمغة طرفية مساعدة، تمنحنا وصولاً سهلاً ومباشراً للمعلومات لدرجة تجعلنا نبالغ في تقدير معارفنا الشخصية. ينسحب هذا الأمر على روبوتات الدردشة، إذ يحيطها بعض المستخدمين بهالة من القداسة الثقافية، ويمنحونها ثقة مطلقة كما لو كانوا يتحدثون إلى عباقرة فكريين أو متنبئين غيبيين أو مرشدين روحيين، مما يعرض الأساس العقلي للمستخدم لخطر الانزلاق نحو الضلال والانسلاخ عن الواقع المعاش.
إننا نقف اليوم على عتبة مرحلة غامضة في تاريخ الطب النفسي والتطور التكنولوجي على حد سواء، مرحلة باتت فيها التكنولوجيا شريكاً سيكولوجياً يتدخل في صياغة وعينا الجمعي والفردي. والإشكالية هنا ليست في الخوارزمية الرياضية وحدها، بل في تلك الحاجة الإنسانية القديمة للسعي وراء من يصادق قناعاتنا ويمنحنا الشعور بالمعنى والقبول من دون شروط. في خضم هذا التحول الرقمي المتسارع، يبقى السؤال معلقاً بين الحقيقة والافتراض، كيف سنحمي قدرتنا البشرية على التمييز بين الحقيقة والهراء، حين يكون أكثر أصدقائنا إنصاتاً مبرمجاً على ألا يعارضنا؟