معادلة جديدة فرضتها قمة نيروبي.. ماكرون يراهن على أفريقيا في زمن الأزمات

معادلة جديدة فرضتها قمة نيروبي.. ماكرون يراهن على أفريقيا في زمن الأزمات


كشفت قمة نيروبي التي حضرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن معادلة جديدة، أوروبا تخشى أن يُفضي اضطراب إغلاق مضيق هرمز وتداعيات الحرب على إيران إلى موجات جوع خاصة في القارة الأفريقية تُعيد رسم خرائط النفوذ والهجرة والأمن.
ففي 11 و12 مايو، وبينما كانت بوارج فرنسية وبريطانية تسلك طريقها نحو مضيق هرمز، كان ماكرون في نيروبي يستضيف أكثر من 30 رئيس دولة أفريقي في قمة «أفريقيا فوروارد»، أول قمة فرنسية-أفريقية تُعقد في دولة أفريقية ناطقة بالإنجليزية وليست مستعمرة فرنسية سابقة. 
السؤال الحقيقي الذي تجاهله الخطاب الرسمي: لماذا الآن تحديداً؟ والجواب يمتد من مضيق مغلق إلى حقول ذرة في الساحل الأفريقي تفتقر إلى أسمدة لم تصل.

23 مليار يورو.. هدية أم رسالة استراتيجية؟
بحسب موقع African Business ، أعلن ماكرون في نيروبي عن التزامات استثمارية تبلغ 23 مليار يورو تشمل الطاقة والزراعة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، مؤكداً أن أفريقيا وفرنسا تربطهما «شراكة بين نظيرين».
وتصدّرت هذه الالتزامات صفقة مجموعة الشحن CMA CGM بقيمــــــــــة 700 مليــــــــون يـــــــورو لتوسيع ميناء مومباســـــــــا الكيني، فيمــــــا فاق عـــــدد المشاركين التوقعات بشـــــكل لافت إذ بلـــغ نحــــــو 7 آلاف مشـــــارك مقارنـــــة بـ2500 كـــان المنظمــــــــــون يســــــــتهدفونهم.
لكن ماكرون نفسه كشــــــف عـــــــن الحسابات الأعمق خلف هذا الحضور، فبحسب The European Conservative، قال الرئيس الفرنسي صراحةً إن الاستثمار في أفريقيا سيُسهم في الحد من أزمات الهجرة، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز الاستقرار الجيوسياسي في مواجهة النفوذ المتنامي للصين وروسيا، وهي عبارة تُلخّص الدافع الاستراتيجي الحقيقي وراء كل هذا الإنفاق الدبلوماسي.

«لم يعد هناك مكان لسياسة أبوية»
يضع الخبير في الشأن الأفريقي بمجموعة الأزمات الدولية الدكتور سالي بكاري قمة نيروبي في سياقها الجيوسياسي الأشمل بعين ناقدة قائلا في تصريح لإرم نيوز: «القمة تُعقد في سياق يتشكّل فيه النظام الجيوسياسي العالمي من جديد، وتداعياته ملموسة في أفريقيا». 
وأضاف أن «فرنسا مُجبرة اليوم على إعادة تعريف سياستها الأفريقية، من علاقة ذات نكهة أبوية إلى علاقة واقعية تأخذ بعين الاعتبار متطلبات المرحلة، متحررة من الموروث الاستعماري، وتسعى إلى مبدأ الربح للطرفين».
كما أكد بكاري أن «الأمر ليس مجرد إعادة تموضع، بل رهان على مستقبل فرنسا ومكانتها كقوة في أفريقيا، فتكاثر الفاعلين الذين يقدمون بدائل وفرصاً للدول الأفريقية، أحياناً أفضل مما تقدمه فرنسا، يُضاف إليه تحول عقلية الشباب الأفريقي وتصاعد خطاب الوحدة الأفريقية».
وأوضح أن «قمة أفريقيا فوروارد تُتيح لفرنسا العودة إلى قلب القارة بموقف أقل استعمارية، كما يعكسه اختيار نيروبي. وهي تُسهم في تطوير العلاقات الفرنسية-الأفريقية أفقياً عبر تنقل الفنانين والمعلمين والتقنيين، لكنها تطرح إشكالية حقيقية تتعلق بالثقافوية التي لا تُسهم في تعزيز العلاقات بالشكل المطلوب».
ورأى كذلك أن «الشارع الأفريقي الشاب المتشرب بمُثُل الوحدة الأفريقية يرى في هذه الخطوة رغبة فرنسية في العودة من باب القوة الناعمة بعد أن أُجبرت على مغادرة قواعدها العسكرية. أما الزعامات الأفريقية فتجد في ذلك فرصة لإعادة بناء تعاون اقتصادي وعسكري وثقافي أُضعف بفعل وجود فاعلين جدد على الساحة».
الرابط الخفي
ما يُغيب عنه الخطاب الرسمي هو أن توقيت القمة لا يمكن فهمه بمعزل عن أزمة مضيق هرمز وتداعياتها الغذائية المدمرة على القارة الأفريقية.
فقد كشف موقع Semafor الأمريكي أن إغلاق مضيق هرمز المطوّل أسفر عن تصاعد حاد في المخاوف من أزمة غذائية وشيكة في أفقر دول العالم، مع وجود عشرات الملايين في مرمى الخطر، وأن المزارعين الصغار في أرجاء أفريقيا، الذين يتولون إطعام الجزء الأكبر من القارة، يعانون من شح حاد في الديزل والأسمدة.
وفي تحليل نشرته Democracy Now  بعنوان «الأزمة الغذائية القادمة»، أوضح أدم هانيه، مدير معهد الشرق الأوسط في جامعة SOAS بلندن، أن «نحو ثلث أسمدة العالم الأساسية يمر عبر مضيق هرمز»، محذراً من أن الأزمة مُضاعَفة بفعل أزمتَي المناخ والديون في دول الجنوب العالمي، واصفاً ما يجري بـ»العاصفة المثالية».
أما الأرقام التي رصدتها EBC Financial Group في تقرير خاص توضح حقيقة الأزمة: 318 مليون شـــــخص يواجهـــــون جوعاً حاداً أو أسوأ في 68 دولة، رقم تضاعف أكثر من مرة منذ 2019، وارتفاع في أسعار اليوريا الزراعية بنحو 50% منذ إغلاق هرمز. 
وقارن التقرير بمرارة بين ما جرى عام 2010-2011 حين أسهم ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 40% في إسقاط أربع حكومات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبين ما يجري اليوم وهو أوسع نطاقاً وأشمل جغرافياً.
حقول بلا أسمدة
 في موسم الزراعة
من جهته رصد معهد الشرق الأوسط الأمريكي تفاصيل هذه الأزمة بدقة: بين فبراير ومارس 2026 ارتفعت أسعار اليوريا بنحو 46% شهرياً، في وقت تعاني فيه دول الساحل من ضعف عملاتها وتضيّق قنوات التمويل التجاري. والأخطر، يقول التقرير، إن هذا التزامن يصطدم بضيق نافذة الزراعة في الساحل المرتبطة بموسم الأمطار الذي يبدأ في مايو جنوباً ويتدحرج شمالاً حتى يوليو. والأبعد أثراً من ذلك ما أشار إليه التقرير ذاته: أن انعدام الأمن الغذائي في الساحل تحوّل تاريخياً إلى هجرة عابرة للحدود وتمدد للشبكات المسلحة عبر الممرات الليبية والصحراء. لذا فإن مساعدة دول الساحل على الاستقرار الغذائي ليست سياسة إنسانية فحسب، بل هي إدارة لمخاطر الهجرة والأمن التي تطرق أبواب أوروبا مباشرة. وعلى الصعيد الدولي، حذّر المدير العام لمنظمة الفاو في بيان رسمي نشره الموقع الأممي من أن الشُح العالمي في الأسمدة سيُفضي إلى انخفاض الغلات وتضيّق الإمدادات الغذائية في النصف الثاني من 2026 وصولاً إلى 2027، مؤكداً: «نحن أمام أزمة لا تمس الجيوسياسة فحسب، بل تضرب جوهر المنظومة الغذائية العالمية».

هوة واسعة 
من جهته رصد موقع The Conversation  سياق القمة قائلا: قمة نيروبي 2026 هي أول قمة فرنسية-أفريقية تُعقد في دولة ليست مستعمرة فرنسية سابقة، وأول قمة تُعقد منذ الانهيار الدراماتيكي للعلاقات مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وبينما يتشابه ماكرون ورئيس كينيا رووتو في الفلسفة الاقتصادية النيوليبرالية، تظل هناك هوّة واسعة في قراءة ملفات المناخ والذكاء الاصطناعي والأمن. وفي نظرة أكثر شمولاً، أشارت بلومبرغ إلى أن القمة وإن حققت مليارات من الالتزامات، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن حجم التحديات التي تواجهها أوروبا بينما توسّع الصين وتركيا والهند حضورها في القارة.
فما يجمع مضيق هرمز وقمة نيروبي ليس مجرد توارد زمني، فأوروبا تدرك اليوم أن أخطر تداعيات حرب إيران لن تكون عسكرية بالضرورة، بل قد تكون موجات جوع في الساحل تُعجّل بانهيارات سياسية، وموجات هجرة تُعيد ضغط الحدود، وتراجعاً في النفوذ الأوروبي لصالح منافسين يملؤون الفراغ.