مقاطعة على حدود أفغانستان.. الصين تشدّد قبضتها على بوابة آسيا الوسطى

مقاطعة على حدود أفغانستان.. الصين تشدّد قبضتها على بوابة آسيا الوسطى

يكشف إنشاء الصين مقاطعة «تسنلينغ»، قرب جبال كاراكورام وممر واخان أقصى شمال غربي الصين، توجهًا عمليًا في مقاربة بكين لأمن شينغ يانغ وحدودها الغربية.
المقاطعة التي أعلنت حكومة شينغ يانغ إنشاءها الشهر الماضي تخضع إداريًا لمحافظة كاشغر، إحدى أهم بوابات الصين نحو آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وجاءت بعد إنشاء مقاطعتي «هيان» و»هيكانغ» خلال أكثر من عام بقليل.
هذا يمنح الخطوة معناها داخل توسع إداري صيني متتابع في أطراف شينغ يانغ الغربية، حيث تضع بكين أمن الإقليم ضمن حساب واحد يشمل حكومة طالبان، والطرق العابرة، والجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، وحسابات النفوذ في آسيا الوسطى.
كذلك يمنح ممر واخان هذه الخطوة معناها الأوضح، فهو شريط أفغاني ضيق في ولاية بدخشان يمتد شرقًا حتى حدود شينغ يانغ، ويفصل بين طاجيكستان شمالًا وباكستان جنوبًا، وقد حافظ طوال عقود على وظيفة عازلة أكثر من كونه طريقًا مفتوحًا؛ بسبب الارتفاعات القاسية، وضعف البنية التحتية، وإغلاق الحدود الصينية الأفغانية أمام الحركة المنتظمة.
لذلك تتعامل بكين مع واخان كمسألة أمنية قبل أي رهان تجاري، لأنه يربط أفغانستان مباشرة بغرب الصين، ويمنح أي اضطراب أفغاني قيمة مختلفة في حسابات شينغ يانغ. 
تمنح أفغانستان الصين منفذًا محتملًا نحو عمق آسيوي أوسع، ويجعل موقع «تسنلينغ» هذا المنفذ أقرب إلى أدوات الدولة الصينية في شينغ يانغ، إذ تمنح المقاطعة بكين نقطة ارتكاز إدارية وأمنية قرب ممر واخان، وتربط أي انفتاح أوسع على كابول بقدرة حكومة طالبان على ضبط المناطق القريبة من المصالح الصينية، وتأمين الحد الأدنى اللازم للتجارة والعبور والاستثمار.
 كابول في ميزان بكين الأمني
ومنذ عودة طالبان إلى كابول، اعتمدت الصين مسارًا يقوم على الأمن والتجارة والاعتراف العملي المحدود، ففتحت قنوات سياسية واقتصادية مع حكومة طالبان، واستقبلت ممثليها، وناقشت ملفات التعدين والبنية التحتية والأمن.
ثم منحت زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى كابول في أغسطس- آب الماضي هذا المسار مضمونًا أوضح، بعدما بحث مع حكومة طالبان وباكستان توسيع التعاون التجاري والاستثماري، ومشاركة أفغانستان في مبادرة الحزام والطريق، وربط ذلك بتعزيز مكافحة الجماعات العابرة للحدود، خصوصًا في منطقة تتصل مباشرة بحساسية شينغ يانغ، وبمصالح الصين في باكستان وآسيا الوسطى.

شينغ يانغ وممر واخان 
في حسابات الربط الآسيوي
تتعامل بكين مع شينغ يانغ كمنطقة ربط أساسية بين الداخل الصيني وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، فالإقليم يفتح الطريق نحو كازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وباكستان، وأفغانستان، ويدخل في شبكات الطاقة والنقل والتجارة التي تمنح الصين عمقًا قاريًا ضروريًا لمشاريعها الاقتصادية والأمنية.
ويضع ممر واخان هذا الطموح أمام جغرافيا صعبة، حيث يمتد في منطقة جبلية مرتفعة، وتبقى الطرق محدودة، وتفرض الظروف المناخية قيودًا قاسية على الحركة، كما تحتاج التجارة والمعادن والمشاريع اللوجستية داخل أفغانستان إلى حماية أمنية لم تنجح حكومة طالبان في تثبيتها بصورة كافية حتى الآن.
وتضع الصين أفغانستان داخل خريطة أوسع تمتد من شينغ يانغ إلى آسيا الوسطى وباكستان، حيث تتقاطع الطرق المحتملة مع ملفات الطاقة والمعادن وحسابات النفوذ بعد الانسحاب الأمريكي من كابول.
وتمنح هشاشة أفغانستان هذا الموقع حساسية إضافية، لأن أي مشروع صيني نحو هذا المجال يحتاج إلى بيئة أمنية قادرة على حماية العبور والاستثمار.
كما تحتاج دول آسيا الوسطى إلى منافذ اقتصادية أوسع تقلل اعتمادها على المسارات التقليدية، وفي هذا السياق تمنح مقاطعة «تسنلينغ» بكين موقعًا أقرب إلى عقدة حدودية تتصل بأفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى، وتربط أمن شينغ يانغ بحسابات التجارة والنفوذ في المجال الآسيوي المحيط بالصين. 

واشنطن في خلفية الحسابات الصينية
أعاد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان توزيع أدوار القوى المحيطة بها، ومنح الصين هامشًا أوسع للعمل قرب حدودها الغربية، مع بقاء واشنطن حاضرة في حسابات الممرات والمعادن والبنية التحتية وآسيا الوسطى. وتستفيد بكين من قربها الجغرافي ومن شبكاتها الاقتصادية مع باكستان ودول آسيا الوسطى كي تجعل حضورها حول أفغانستان أقل كلفة من أي انخراط عسكري مباشر. وتأتي مقاطعة «تسنلينغ» داخل هذا السياق كإضافة عملية إلى أدوات الصين الحدودية في وقت تتابع فيه واشنطن تمدد النفوذ الصيني في المنطقة. في المحصلة، تظهر أهمية هذه الخطوة في توقيتها وموقعها أكثر مما تظهر في حجمها الإداري، فالصين تعزز حضورها في أقصى غربها، بينما تبحث حكومة طالبان عن منافذ اقتصادية واعتراف عملي. وتراقب واشنطن تمدد بكين في الممرات والمعادن وآسيا الوسطى، وبين هذه الحسابات تمنح «تسنلينغ» بكين أداة إضافية لإدارة الجوار الأفغاني من داخل شينغ يانغ، وتضع الحدود الصينية الأفغانية في معادلة تربط أمن غرب الصين بمستقبل أفغانستان وبموازين النفوذ في آسيا الوسطى.