غيرت سلوكنا العصبي وزادت التشتت وأثرت في علاقاتنا وانتباهنا وصحتنا؟
منبه رقمي لا يصمت.. إشعارات الهاتف كيف تتحكم بحياتنا؟
وسط هذا الضجيج الرقمي بتنا نفتقد متعة اللحظات الصامتة، ونشتاق للترقب من دون تنبيه، ولحديث لا تقاطعه نغمة، ولجلسة لا يقتحمها تنويه. خصوصيتنا تنتهك بضغطة، وانتباهنا يتشتت كل بضع دقائق… فهل لا تزال الحياة لنا أم لهواتفنا؟
كل صباح، وقبل أن تطأ أقدامنا الأرض يسبقنا الهاتف بإشعاراته: حال الطقس، تنبيهات المدرسة، دعاء من الوالدين، رسائل التجمعات، واقتراحات الغداء... وصولاً إلى سيل من صور "صباح الخير". عشرات بل مئات التنبيهات اليومية التي لم نطلبها، لكنها باتت تتحكم في تفاصيل يومنا. ووفق دراسة لجامعة ميشيغان يتلقى الآباء ما يقارب 300 إشعار يومياً، بينما يصل الرقم إلى 4500 عند المراهقين.
وسط هذا الضجيج الرقمي بتنا نفتقد متعة اللحظات الصامتة ونشتاق للترقب من دون تنبيه، ولحديث لا تقاطعه نغمة، ولجلسة لا يقتحمها تنويه. خصوصيتنا تنتهك بضغطة، وانتباهنا يتشتت كل بضع دقائق… فهل لا تزال الحياة لنا أم لهواتفنا؟
من رسالة إلى ضجيج لا يهدأ
بدأت فكرة التنبيهات الرقمية رسمياً عام 1971، عندما أرسل المهندس الأميركي راي توملينسون أول رسالة عبر شبكة "أربانت"، إيذاناً ببداية عصر التواصل الرقمي. لكن التحول الأبرز نحو تنبيهات تصل مباشرة إلى المستخدمين حدث في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 1992، حين أرسل المهندس البريطاني نيل بابوورث أول رسالة نصية قصيرة في العالم من جهاز حاسوب إلى هاتف محمول على شبكة "فودافون" البريطانية، وكانت ببساطة تقول "عيد ميلاد سعيد".
وفي عام 1993، رسخت شركة "أميركا أون لاين" (المعروفة اختصاراً بـ"أي أو أل")، وهي شركة أميركية، مفهوم الإشعار الصوتي بإطلاق عبارة "وصلك بريد!" عند وصول رسائل البريد الإلكتروني، مما جعل التنبيهات جزءاً من الثقافة الرقمية اليومية.
جاءت القفزة التالية في 2003 مع شركة "بلاك بيري" التي طورت خدمة "البريد الفوري"، فتمكن المستخدمون من تلقي الرسائل فور ورودها من دون الحاجة إلى تحديث البريد يدوياً، وهو ما غيّر شكل التواصل المهني والشخصي.
أما الانطلاقة الكبرى لعصر الإشعارات الحديثة، فبدأت مع شركة "أبل" التي أطلقت نظام "التنبيه الفوري" ضمن تحديث "iOS 3.0" عام 2009، وتبعتها "غوغل" عبر نظام "أندرويد"، لتصبح التنبيهات عنصراً لا ينفصل عن تجربة الهواتف الذكية. ومنذ ذلك الحين، تبعت آلاف التطبيقات والخدمات هذا النموذج، حتى وصلت الأمور إلى ذروتها، إذ سجل العالم بحلول عام 2010 أكثر من 6 تريليونات رسالة سنوياً.
مصادر التنبيهات... بين الضروري والمشتت
تتعدد مصادر التنبيهات الهاتفية، لتشمل تطبيقات المراسلة مثل "واتساب" و"تيليغرام"، مروراً بتطبيقات الأخبار والتقويم والبريد الإلكتروني، ووصولاً إلى التطبيقات المصرفية والمالية، فضلاً عن تنبيهات نظام التشغيل والتطبيقات الأخرى المثبتة على الهاتف. وتتفاوت أهمية هذه التنبيهات بحسب الشخص واهتماماته، إذ يرى البعض فيها أدوات ضرورية لإدارة يومه، بينما يعدها آخرون مصدراً للتشويش وفقدان التركيز.
ويلجأ مطورو التطبيقات إلى استثمار كل فرصة ممكنة لإرسال التنبيهات، لما تحققه من فوائد مباشرة أبرزها رفع معدلات الاحتفاظ بالمستخدمين، إذ تعمل كأداة تذكير تعيد المستخدم إلى التطبيق بعدما يكون قد توقف عن استخدامه. ووفق دراسة أجرتها شركة "Urban Airship"، تبين أن المستخدمين الذين تلقوا تنبيهات يمتلكون معدل احتفاظ أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بمن لم يتلقوها، كما أن أولئك الذين حصلوا على تنبيهات يومية أو أكثر، سجلوا معدلات احتفاظ بلغت 10 أضعاف في أجهزة "أندرويد".
وعلى رغم دورها في تعزيز التفاعل، تطرح هذه التنبيهات تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المفيد والمفرط، وبين التذكير والإزعاج.
حين تعيد الإشعارات تشكيل الدماغ
لا تقتصر تأثيرات الإشعارات الهاتفية على التشتت اللحظي فحسب، بل باتت، وفق دراسات متراكمة، عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل طريقة عمل الدماغ ووظائفه. ووفق ما ذكره "مركز التكنولوجيا الإنسانية، فإن التنبيهات المستمرة تقطع التفكير العميق، وتنشئ ما يعرف بـ"نمط التشتت المتقطع"، وهو نمط يعوق التركيز المستمر ويجعل العقل في حال من التأهب الدائم للانقطاع.
وفي السياق ذاته، أظهرت أبحاث صادرة عن مستشفيات "ميدي كوفر" و"باتلر" أن التنبيهات تحفز إفراز هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، مما قد يؤدي إلى حالات من القلق واضطرابات النوم، بخاصة عند الانفصال المفاجئ عن الهاتف. أما دراسة أجرتها جامعة جنوب كارولاينا، فأشارت إلى أن الاستخدام المتكرر للرسائل والتنبيهات يضعف دقة الذاكرة وقدرة الاستدعاء، إذ تؤدي الانقطاعات المتكررة إلى إضعاف قدرة الدماغ على معالجة المعلومات بكفاءة.
ووفق تقارير طبية من "بيدموت" و"ميدي كوفر"، فإن هذا النمط المتكرر من التحفيز والتوتر يخلق بيئة عقلية تشبه حال التأهب الدائم، مما قد يؤدي إلى أعراض مثل الصداع، الأرق، والقلق المزمن.
وفي هذا السياق، توضح الدكتورة لونا الخالدي المتخصصة في علم النفس الرقمي، أن "الإشعارات تعد من أكثر مصادر التشتت الرقمي تكراراً وتأثيراً. وتظهر الدراسات أن الأفراد يبدلون المهام على أجهزتهم الرقمية كل 47 ثانية،
ويحتاجون إلى نحو 25 دقيقة لاستعادة مستوى التركيز ذاته بعد الانقطاع".
وتضيف الخالدي "هذا التشتت المستمر يضعف القدرة على الدخول في حالات التركيز العميق، ويسبب ما يعرف بـ'بقايا الانتباه'، أي إن جزءاً من الدماغ يبقى مشغولاً بالمهمة السابقة، مما يؤثر في جودة الأداء في المهمة الحالية.
كما يؤدي ذلك إلى إرهاق 'الذاكرة العاملة' المسؤولة عن حفظ المعلومات ومعالجتها، وينتج حالاً من التشويش المعرفي".
وتتابع، "الإشعارات تفعل نظام الاستجابة للتوتر باستمرار، إذ إن كل إشعار يحدث استجابة صغيرة في الجهاز العصبي، تخرج الشخص من حال التركيز وتضعه في توتر خفيف. هذا التصميم المقصود يجعل الجهاز العصبي في حال من الاستثارة المستمر والتي تعني (Hypervigilance)،
حتى في أوقات الراحة، مما يفاقم الإرهاق العاطفي، ويضعف القدرة على الاسترخاء والاستيعاب. باختصار، الإشعارات ليست مجرد مقاطعات عابرة، بل تحدث تأثيرات عميقة في وظائف الدماغ، ومشاعرنا، وسلوكنا اليومي".
كيف تتحول إشعارات الهاتف إلى عبء عصبي وعاطفي؟
يتشكل الإدمان عادة نتيجة التفاعل المتكرر مع محفز يثير في الدماغ شعوراً بالمكافأة أو المتعة، وهو ما ينطبق بدقة على التنبيهات الهاتفية. فصوت الإشعار أو اهتزاز الهاتف يتحول مع الوقت إلى محفز شرطي، يدفع صاحبه لفحص الجهاز بصورة لا إرادية، حتى من دون وصول رسالة حقيقية. وتدريجاً، يصبح من الصعب الانفصال عن الهاتف ولو لفترات قصيرة، في نمط سلوكي يقترب من الإدمان السلوكي المعروف، بتأثيراته الواضحة على التركيز والنوم والعلاقات الاجتماعية.
توضح الدكتورة لونا الخالدي المتخصصة في علم النفس الرقمي، أن إشعارات الهاتف، خصوصاً تلك المرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي، "صممت عمداً لتحفيز إفراز الدوبامين،
وهو الناقل العصبي المسؤول عن شعور المكافأة في الدماغ". وتضيف "أكثر التنبيهات تأثيراً هي تلك التي تقدم مكافآت متقطعة وغير متوقعة، مثل الإعجابات والتعليقات، وفق نمط يعرف بـ"التعزيز المتنوع" وهو من أكثر الأساليب تسبباً في الإدمان.
وتحذر الخالدي من أن هذا النوع من التفاعل يدرب الدماغ على ترقب المكافأة الرقمية باستمرار، مما يدفع المستخدمين للتحقق المتكرر من أجهزتهم، ويؤدي إلى ربط القبول الذاتي بالمؤشرات الرقمية، كعدد الإعجابات أو عدد المشاهدات، وهو ما يعزز الشعور بالنقص والمقارنة الاجتماعية، خصوصاً بين المراهقين. وتلفت إلى أن "مجرد توقع وصول إشعار كفيل برفع مستويات التوتر، حتى لو لم يصل شيء في الواقع، وهو ما يكشف عمق الأثر النفسي للتنبيهات".
كرد فعل لتصاعد الإدمان الرقمي، ظهرت مبادرات ما يعرف بـ"الانفصال الرقمي" أو "الصيام الرقمي"، التي تقوم على الامتناع الموقت عن استخدام الأجهزة الذكية. وتتنوع أشكاله بين الانقطاع الكامل عن الهواتف وأجهزة الكمبيوتر،
والصيام الجزئي عن تطبيقات محددة، أو الانتظام في فعاليات تمنع فيها الأجهزة تماماً.
تهدف هذه التجارب إلى استعادة التوازن النفسي، وتحسين جودة النوم، وتعزيز التفاعل الواقعي، والتقليل من التشتت العقلي. وقد انتشرت بصورة ملحوظة بين طلاب الجامعات، والموظفين، وحتى بعض المؤثرين الرقميين الذين أعلنوا "انقطاعاً طوعياً" عن وسائل التواصل.
وتوضح د. لونا أن "الانفصال عن التنبيهات لا يقتصر على كتم الصوت، بل يتعلق باستعادة المساحة العقلية والعاطفية. من أفضل الاستراتيجيات هو تطبيق مفهوم ’الحدود الرقمية’، عبر إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتخصيص أوقات محددة لتفقد الرسائل والتطبيقات".
وعلى رغم ما تحققه التجربة من صفاء ذهني وتخفيف للإرهاق المعرفي، فإنها لا تخلو من تحديات مثل الشعور بالقلق أو الملل، أو صعوبة التكيف المهني، خصوصاً في البيئات المعتمدة على الاتصال الرقمي المستمر.
اقتصاد الانتباه... عندما يتحول الإشعار إلى سلعة
تلعب الإشعارات اليوم دوراً محورياً في ما يعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، وهو المفهوم الذي طرحه المفكر الأميركي هربرت أ. سيمون عام 1971 حين قال، "وفرة المعلومات تخلق ندرة في الانتباه". في عصر التدفق الهائل للمحتوى، لم تعد المعلومات هي السلعة النادرة، بل القدرة على التركيز.
توضح، المديرة التنفيذية لشركة "MEDPUSH" السعودية المتخصصة في تقنيات التنبيه الذكي الأستاذة بشاير الشدوخي، أن "الإشعارات لم تعد أداة جانبية، بل باتت عنصراً استراتيجياً في التسويق الرقمي. فهي تعزز تفاعل المستخدم، وتزيد من ولائه، وتعد قناة فورية تربط العلامات التجارية بجمهورها".
ويشير خبراء إلى أن منصات مثل "إنستغرام" و"يوتيوب" تستخدم خوارزميات مدروسة تهدف إلى إبقاء المستخدم في حال تفاعل مستمر. ويعتمد تصميم الإشعارات على أساليب علم النفس السلوكي مثل "الخوف من الفقد المعروف بـ (FOMO)، والمكافآت المتقطعة، مما يجعل تجاهل التنبيه شبه مستحيل.
وتعلق د. لونا الخالدي بالقول "الكثير من التطبيقات تستغل حاجاتنا النفسية الأساسية كالرغبة في الانتماء أو التقدير. لكنها تقدم تفاعلات سطحية تمنحنا شعوراً زائفاً بالقيمة، فنربط الإعجاب بالحب، والمشاهدات بالقبول الذاتي، وهو ما يربك هويتنا العاطفية ويعمق التبعية للعالم الرقمي".
تصميم أخلاقي أم فوضى رقمية؟
مع ازدياد الانتقادات الموجهة إلى التطبيقات بسبب الإفراط في إرسال التنبيهات، بدأت تظهر مبادرات نحو "التصميم الأخلاقي"، الذي يراعي الصحة النفسية للمستخدم ووقته وحقه في اختيار ما يود تلقيه.
وتشير الشدوخي إلى أن "هناك حاجة متزايدة لإيجاد توازن بين الفائدة والتطفل. الإفراط في الإشعارات يؤدي إلى إجهاد المستخدم، وفقدان الثقة، وانخفاض التفاعل".
وتلفت إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يستخدم لتخصيص التنبيهات، كما أن "مراكز التفضيلات" أصبحت وسيلة لتمكين المستخدم من التحكم الكامل في نوع ومعدل الإشعارات.
لكنها ترى أن هذا لا يكفي "هناك حاجة إلى تشريعات تنظم عدد التنبيهات التي يمكن إرسالها يومياً أو أسبوعياً، مع فرض غرامات على الجهات التي تسيء استخدامها. فالمستخدم يجب أن يكون في صلب الأولوية، لا مجرد أداة تفاعل".
هل يمكن تخيل مستقبل بلا إشعارات؟
رغم صعوبة تخيل حياة بلا إشعارات، فإن التطورات التقنية تشير إلى تحولات جذرية قادمة. فمع صعود أنظمة الذكاء الاصطناعي، وظهور ما يعرف بـ"الوكيل الذكي"، قد تصبح الإشعارات أكثر وعياً بسياق المستخدم.
سيعرف الهاتف إن كنت تقود السيارة أو تحضر اجتماعاً، فيؤجل ما لا يستحق المقاطعة، ويجمع التنبيهات بصورة منظمة يعرض لاحقاً.
وقد تكون "النظارات الذكية" إحدى البدائل المستقبلية، حيث تعرض التنبيهات بصورة بصرية غير مزعج، من دون الحاجة إلى إخراج الهاتف أو لمس الشاشة، مما قد يخفف من وطأة الإشعارات ويعيد للمستخدم سيطرته على انتباهه.