الإعلام سلاح موسكو الناعم في الشرق الأوسط
في ظل تشابك المصالح والاعتماد المتبادل بين الشرق الأوسط وأوروبا، تتسع رقعة النفوذ الروسي في المنطقة، ليس فقط عبر السياسة والسلاح، بل من خلال أدوات القوة الناعمة، وفي مقدمتها الإعلام والدعاية، ويحذر محللان أمريكيان من أن موسكو تستثمر هذه المساحات بذكاء، بينما تتباطأ واشنطن في بلورة استراتيجية شاملة لمواجهة هذا التمدد، ما قد ينعكس سلباً على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا على حد سواء.
وقالت آنا بورشيفسكايا، زميلة هارولد غرينسبون الأولى في برنامج مؤسسة ديان وغيلفورد غليزر التابع لمعهد واشنطن، ومات تافاريس، مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، في مقال مشترك بموقع مجلة «ناشونال إنترست»، إن مجالات الاعتماد المتبادل بين المنطقة وأوروبا تخلق فرصاً واسعة لموسكو لبسط روايتها عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما من خلال منصات دعائية مثل «روسيا اليوم» و»سبوتنيك» باللغة العربية، التي تصل بالفعل إلى ملايين المتابعين يومياً.
وأضافت الكاتبة أن قناة «روسيا اليوم» صُنّفت عام 2015 ضمن القنوات الثلاث الأكثر مشاهدة في الدول العربية، في مؤشر مبكر على نجاح الاستراتيجية الإعلامية الروسية في المنطقة.
وتابعت أن الأرقام الحديثة تعكس تسارع هذا النفوذ، إذ أفادت تقارير بأن «روسيا اليوم» وصلت في عام 2024 إلى نحو 46.9 مليون مشاهد، مع عدد متابعين على «فيسبوك» يفوق بخمسة أضعاف متابعي أكبر القنوات العربية.
وأوضح الكاتبان أن دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة للإشراف على إعادة إعمار غزة تمثل خطوة في الاتجاه الخطأ، لأنها تمنح موسكو منصة إضافية لتعزيز قوتها الإقليمية.
وأضاف الكاتبان أن على صانعي القرار في واشنطن التحرك الآن لمنع عودة النفوذ الروسي بقوة عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، محذرين من أن حرب روسيا في أوكرانيا كشفت مدى عمق الروابط بين مسارح الصراع في الشرق الأوسط وأوروبا.
وتابع الكاتبان أن الولايات المتحدة تستطيع المنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط، ولا سيما في منطقة البحر المتوسط، ضمن إطار استراتيجية شمولية لمواجهة روسيا. وأوضح الكاتبان أن واشنطن يمكن أن تعطي أولوية لسوريا، وأن تبحث عن سبل لتعزيز موقع أوكرانيا في المنطقة كبديل عن روسيا.
وأشار الكاتبان إلى أن أوكرانيا في موقع مناسب لمنافسة موسكو إقليمياً، خصوصاً في سوق السلاح، حيث يمكن أن تشكل شريكاً بديلاً للدول الباحثة عن مصادر تسليح خارج المدار الروسي.
الوقاية أفضل من العلاج
وأكد الكاتبان أن «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، محذرين من أنه إذا لم تتحرك الولايات المتحدة الآن، فسيكون من الأصعب عليها لاحقاً احتواء روسيا في الشرق الأوسط، بل وفي أوروبا أيضاً.
وأضاف الكاتبان أن تمكين موسكو لجهات معادية، وتعقيد حرية حركة الولايات المتحدة في شرق المتوسط، ليسا سوى مثالين على تداعيات محتملة لغياب التحرك المبكر.
وختم الكاتبان بالقول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلعب اللعبة الطويلة ببراعة، وعلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يفعل الشيء نفسه، فالمعركة على النفوذ في الشرق الأوسط ليست آنية أو ظرفية، بل استراتيجية ممتدة، تتطلب رؤية بعيدة المدى وسياسات استباقية، لا ردود فعل متأخرة.