رئيس الدولة ورئيسة وزراء إيطـاليـا يبحثـان عـلاقــات التعاون والتطورات الإقليمية
الدبلوماسية الزراعية؟
لم تعد الجوائز الدولية في القرن الحادي والعشرين مجرد أدوات رمزية لتكريم الأفراد والمؤسسات، بل تطورت في بعض القطاعات إلى منصات لإنتاج المعرفة، وتحفيز الابتكار، وبناء الشبكات وتعزيز التعاون الدولي. ويبرز هذا التحول في الزراعة، حيث أصبحت تحديات الأمن الغذائي وتغير المناخ وشح المياه والآفات العابرة للحدود تتطلب تعاوناً يتجاوز العلاقات التقليدية نحو ما يعرف بـالدبلوماسية الزراعية.
ويمكن تعريفها بأنها توظيف المعرفة الزراعية والبحث العلمي والابتكار والشراكات الدولية لتعزيز التعاون بين الدول ودعم الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة وبناء الثقة بين المؤسسات. ومن هذا المنظور، تطرح تجربة جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي سؤالاً مهماً: هل ما تزال جائزة علمية للتكريم، أم تطورت إلى منصة للدبلوماسية الزراعية؟
تكشف التجربة عن انتقال تدريجي من جائزة للتميز تركز على الترشيح والتحكيم والتكريم، إلى منصة للمعرفة تضم المؤتمرات والإصدارات والمكتبات والندوات، ثم إلى منصة أوسع للشراكات والمهرجانات الدولية وبناء القدرات والحوار العلمي.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الدبلوماسية الزراعية لا تُبنى بالاسم أو بعدد الفعاليات، بل بقدرة المؤسسة على جمع الباحثين والحكومات والمنظمات والمنتجين والقطاع الخاص حول تحديات مشتركة، وتحويل العلاقات إلى معرفة ومشروعات وتعاون مستدام. وقد حددت الدراسة خمسة أبعاد لقياس هذا الدور: إنتاج المعرفة، وبناء الشراكات الدولية، وتنمية القدرات، وتحفيز الابتكار الزراعي، وصناعة الحوار والثقة.
قد يبدو التركيز على نخيل التمر مجالاً محدوداً، لكنه يمنح التجربة خصوصيتها. فالنخيل يتقاطع مع الأمن الغذائي والزراعة في البيئات الجافة وندرة المياه والتنوع الوراثي والآفات والتصنيع والتجارة والاقتصاد الدائري والتكيف المناخي.
ومن هنا يمكن بناء قيادة دولية عبر التخصص بدلاً من محاولة منافسة المؤسسات العالمية التي تعمل في جميع مجالات الغذاء والزراعة.
كما تجمع التجربة بين ثلاثة أبعاد: الدبلوماسية العلمية عبر البحث والمؤتمرات، والثقافية عبر القيمة الحضارية للنخلة، والاقتصادية عبر المهرجانات وربط المنتجين والأسواق. لكن التحدي الأكبر هو الانتقال من قياس النشاط إلى قياس الأثر. فعدد المؤتمرات والإصدارات ومذكرات التفاهم يمثل مخرجات، بينما الأهم هو معرفة ما نتج عنها من بحوث مشتركة، وتقنيات مطبقة، وكفاءات مؤهلة، وشراكات مستمرة وتحسن في سلاسل القيمة.
وهنا يمكن تلخيص مسار الدبلوماسية الزراعية في معادلة: الاعتراف، المعرفة، الربط، التمكين، التعاون، الثقة والتأثير.
فالقيمة الحقيقية لأي جائزة دولية لا تكمن فقط فيمن تكرّمه، بل في المعرفة التي تنتجها، والشبكات التي تبنيها، والابتكار الذي تحفزه، والأثر المستدام الذي تتركه بعد انتهاء حفل التكريم.