رئيس الدولة يؤكد أهمية ترسيخ السلام والاستقرار في العالم ومعالجة مختلف النزاعات سلميا
من يبادر وبأي ثمن؟
تنازلات موسكو وكييف تحدد مصير وثيقة الضمانات الأمريكية
انتقلت مفاوضات إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية إلى اختبار سياسي دقيق، من يتنازل أولًا وبأي ثمن، وبرزت وثيقة الضمانات الأمنية الأمريكية كعنوان لمرحلة جديدة، تُحدد ملامحها بميزان التنازلات بين موسكو وكييف، لا بالتصريحات وحدها.
الوثيقة، التي أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنها جاهزة بالكامل، تمثل جوهر خطة سلام أمريكية من 28 بندًا، صاغها فريق مقرب من دونالد ترامب، وتقوم على مقايضة واضحة، ترتيبات أمنية غربية مقابل تنازلات سياسية وعسكرية.
وتُطالب روسيا بالانسحاب من مناطق إضافية داخل أوكرانيا، مع تثبيت مكاسبها في القرم وأجزاء من دونباس، وهو ما تصفه موسكو بخط أحمر سيادي.
ووفقا للخبراء، فإن المفاوضات الجارية بين موسكو وكييف بوساطة أمريكية دخلت مرحلة حساسة، تتوقف فيها الخطوة الحاسمة على حجم ونوعية التنازلات المتبادلة، باعتبارها العامل الفاصل في تحديد موعد توقيع وثيقة الضمانات الأمريكية.
وأضاف الخبراء في تصريحات لـ»إرم نيوز» أن الحديث لا يدور بعد عن تسوية نهائية، بل عن تفاهم أولي يقوم على إدارة الصراع وكسب الوقت، مع قبول ضمني بمناطق نفوذ وتجميد مطالبات، مقابل ترتيبات أمنية غربية ما زالت محل شك.
وقال مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إيفان يواس، إن النقاشات الجارية بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أمريكية تتركز حاليًا على التفاهمات العامة وسيناريوهات الاتفاق، أكثر من الدخول في تفاصيل نهائية ملزمة. وكشف في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز» أن هناك اتفاقًا مبدئيًا يجري بحثه بشأن آليات مراقبة وقف إطلاق النار في حال التوصل إليه، بما يتناسب مع الظروف الميدانية والسياسية الراهنة.
وأكد يواس أن أوكرانيا في هذه المرحلة، لا تزال غير مستعدة لتقديم صور أو أدلة إضافية، كما ترفض اتخاذ أي خطوة قد تُفسر على أنها تنازل لصالح روسيا، خاصة فيما يتعلق بعدم استعادة أجزاء من إقليم دونباس. وأشار مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إلى أن معظم الأحاديث المطروحة تدور حول مسار تفاوضي هادئ، أو محادثات غير تصعيدية، قد تشكّل مدخلًا لاتفاق جديد لا يخضع بشكل كامل لإرادة موسكو أو كييف بل يُدار تحت إشراف أمريكي مباشر. ويرى أن هذا الإطار قد يسمح بالانتقال إلى النسخة الأولى من الاتفاق، عبر تنازلات متبادلة محدودة، موضحًا أن روسيا تسعى إلى تسجيل نصر سياسي، بينما تحاول أوكرانيا تفادي أي صيغة تُعد هزيمة. وأوضح إيفان يواس، أن عامل الوقت بات عنصرًا حاسمًا في حسابات الطرفين، في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة وعدم اليقين السياسي.
من جانبه، أكد مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، الدكتور عمرو الديب، أن ملف التنازلات الروسية الأوكرانية، خاصة المرتبطة بالأراضي، لا يزال يكتنفه قدر كبير من الغموض، سواء من حيث طبيعة هذه التنازلات أو حجمها الفعلي. وأشار في تصريح لـ»إرم نيوز» إلى أن المطالب الروسية تتركز بشكل أساسي على تثبيت السيطرة على الأقاليم الأربعة التي أعلنت موسكو ضمها، إلى جانب السعي للحصول على اعتراف دولي كامل بضم شبه جزيرة القرم منذ عام 2014، معتبرًا أن هذا المطلب يمثل جوهر الموقف الروسي في أي تسوية محتملة.
ويرى المحلل السياسي أن موسكو قد تُبدي مرونة تكتيكية عبر الانسحاب من بعض المناطق الأخرى، شريطة أن تقدم كييف تنازلًا جوهريًا يتمثل في وقف المطالبات بالأراضي التي خضعت للسيطرة الروسية منذ 2014، والدخول في اتفاق دائم يتضمن ضمانات أمنية غربية.
وشكك مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو في قدرة الغرب على توفير هذه الضمانات بشكل فعلي، في ظل الانقسام الداخلي بين الدول الغربية، وعدم استقرار الموقف الأمريكي نفسه.