رئيس الدولة ورئيس وزراء اليونان يؤكدان على أهمية تسوية النزاعات عبر الحوار والحلول الدبلوماسية
شراكة مصالح لا قيم.. كيف تخفي «نعومة أمريكا» تجاه أوروبا القبضة الحديدية لترامب؟
شهد مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الـ62 هذا العام تحولًا ملحوظًا في النبرة الأمريكية تجاه أوروبا، لكن المضمون ظل كما هو: «انضموا إلى رؤية ترامب للعالم أو ابتعدوا عن الطريق».
ورغم أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تلقى تصفيقًا حارًّا عندما أعلن أن الولايات المتحدة وأوروبا «ينتميان معًا»، خرج المسؤولون الأوروبيون من أروقة فندق «بايريشر هوف» التاريخي بمشاعر متباينة بين الحذر والقلق من المستقبل. وجاء مؤتمر ميونخ هذا العام في سياق تدهور كبير وسريع في العلاقات عبر الأطلسي خلال العام الأول من الولاية الثانية لدونالد ترامب، بوتيرة أسرع وأوضح بكثير مقارنة بولايته الأولى.
فمنذ الأسابيع الأولى لعودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني- يناير 2025، تبنت إدارته نسخة أشد من سياسة «أمريكا أولًا»، مع مطالبة حادة للحلفاء الأوروبيين بتحمل عبء أمني أكبر، وهو ما أثار قلقًا عميقًا في القارة العجوز من تقليص الالتزام الأمريكي تجاهها.
على صعيد تمويل حلف الناتو، شنَّت الإدارة الأمريكية حملة ضغط مكثفة لإجبار الدول الأوروبية على رفع إنفاقها الدفاعي، مع رسالة صريحة مفادها أن «الحماية الأمريكية ليست شيكًا على بياض»، وهو ما اعتبره كثيرون في أوروبا ربطًا خطيرًا بين الدفاع المشترك والتمويل المالي الذي يهدد جوهر التحالف.
أما بخصوص الحرب في أوكرانيا، فقد قلصت واشنطن دعمها المفتوح لكييف ودفعت بقوة نحو تسوية سريعة تتضمن تنازلات أوكرانية؛ ما أحدث انقسامًا أوروبيًّا حادًّا حول كيفية التعامل مع نهج ترامب. وعلى الجبهة التجارية، تصاعدت التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية على الواردات الأوروبية، مع خلافات حادة حول دعم الصناعات الخضراء، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع حرب تجارية أطلسية شاملة. كما اتهم ترامب ومساعدوه الدول الأوروبية علنًا بـ»الاستفادة المجانية» من الحماية الأمريكية، لكن ذروة التوتر جاءت مع تلويح الرئيس الأمريكي المتكرر بضم الإقليم الدنماركي ذاتي الحكم غرينلاند؛ ما اعتبر تهديدًا مباشرًا للسيادة الأوروبية.
لكن رغم كل ذلك اتسم «مؤتمر ميونخ»، بلهجة دبلوماسية أخف، ورغم تقديم الأمريكيين تطمينات بعدم الانسحاب من أوروبا، ظلت الشكوك الأوروبية مستمرة حول جدية هذا التحول.
تغيير النبرة لا السياسة
خطاب روبيو في ميونخ كان بمثابة محاولة لترميم العلاقات بعد عام من التوترات الحادة، خاصة بعد خطاب نائب الرئيس جي دي فانس في المؤتمر ذاته العام الماضي الذي «صدم» القادة الأوروبيين، كما وصفته شبكة « سي عن إن»، إذ قال روبيو إن الولايات المتحدة «ابنة أوروبا»، مؤكدًا أن «مصيرنا سيظل متشابكًا مع مصيركم»، بحسب تقرير لإذاعة «إن بي أر» الأمريكية، ودعاهم إلى «إنقاذ الحضارة الغربية» معًا.
لكن كايا كالاس، الدبلوماسية الأوروبية الرئيسية، رغم ترحيبها بالنبرة الأكثر اعتدالاً، أشارت في حديثها لـCNN إلى أن «الاختلافات لا تزال قائمة في بعض المجالات». وذهب دونالد ينسن، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأستاذ السياسة الخارجية الروسية بجامعة جون هولكنز، إلى أبعد من ذلك، إذ قال إن «القضايا الجوهرية لا تزال قائمة بين واشنطن وأوروبا» رغم النبرة التصالحية.
أما صحيفة لوفيغارو الفرنسية فنقلت عن توماس غومار، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية «IFRI»، تلخيصًا دقيقًا للفلسفة الأمريكية في ميونخ مفاده: «سنقوم بإنقاذكم من أنفسكم».
الرسالة الأمريكية الصريحة
خلف الكواليس، كانت الرسائل الأمريكية أكثر صراحة. فقد كشف تقرير بوليتيكو أن إلبريدج كولبي، مسؤول السياسة في البنتاغون، قال في فعاليةٍ جانبيةٍ خاصةٍ: إن الولايات المتحدة تشترك مع أوروبا في «المصالح وليس القيم». وأضاف أحد الحاضرين: «عبّر عن استعداده للعمل معًا، لكن برسالة واضحة بأن أوروبا يجب أن تتحمل مسؤوليتها، وأننا انتقلنا من عالم قائم على القيم إلى عالم قائم على المصالح». من جهتها نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن مسؤول أوروبي قوله: «إذا انكسر شيء، فليس من السهل إصلاحه. روبيو مد يده بدلًا من وخز العين، لكن في الأساس، لم يتغير شيء». بينما وصف مسؤول أوروبي آخر لبوليتيكو الرسالة الأمريكية «انضموا إلينا، وإذا لم تفعلوا، سنمضي بمفردنا».
الواقعية والقلق من الاستتباع
على الصعيد الأوروبي، جاءت التقييمات متباينة. فرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أعربت عن ارتياحها لخطاب روبيو، قائلة لـ «إم بي أر»: نعلم أن بعض أعضاء الإدارة لديهم نبرة أكثر حدة، لكن وزير الخارجية كان واضحًا: قال نريد أوروبا قوية في الحلف».
لكن المخاوف من «الاستتباع» الأمريكي كانت حاضرة بقوة. فقد ذكرت لوفيغارو أن الأوروبيين رغم تصفيقهم لروبيو، كرروا أنهم «لا يريدون أن يتم استتباعهم من قبل الأمريكيين». وكان رئيس الوزراء الفنلندي ألكسندر ستوب أكثر مباشرة في حديثه إذا قال: ماذا تعني معاداة الاتحاد الأوروبي، ومعاداة النظام الليبرالي العالمي، ومعاداة مكافحة تغير المناخ. هذا هو التيار الأيديولوجي الذي يوجه السياسة الخارجية الأمريكية».
نائبة وزير الدفاع الفرنسي أليس روفو حذرت من «الإنكار»، قائلة بحسب بوليتيكو: علينا قراءة وثائق الإدارة الأمريكية. إنها واضحة جدًّا»، في إشارة إلى إستراتيجية الأمن القومي التي تتحدث عن «الانحدار الحضاري» الأوروبي.
التحدي الوجودي
وضع المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأمور في نصابها عندما افتتح المؤتمر بتحذير أمريكي واضح، قائلًا: حتى الولايات المتحدة لن تكون قوية بما يكفي للمضي بمفردها». وكشف ميرتس عن محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الانضمام إلى برنامج الردع النووي الفرنسي، في أوضح إشارة إلى أن أوروبا تستعد لمستقبل دون المظلة الأمريكية.
ووصف فولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونخ، الوضع الحالي بأن أوروبا «على الهامش تمامًا» في المشهد العالمي، مضيفًا لقناة «سي إن بي سي» : «لماذا لا يوجد لنا مقعد على الطاولة؟ هذه قارتنا. هذا مستقبلنا». واعترف بأن «الجواب ليس أن ترامب يرتكب خطأ، بل إننا فشلنا في التحدث بصوت واحد».
تقرير مؤتمر ميونخ الصارم
وجاء تقرير مؤتمر ميونخ السنوي بعنوان «الاستقطاب المتعدد»، محذرًا من أن «أوروبا وصلت إلى التيقن بأنها بحاجة إلى أن تكون أكثر حزمًا واستقلالًا عسكريًّا عن إدارة أمريكية استبدادية لم تعد تشاركها الالتزام بالقيم الديمقراطية الليبرالية»، وشدد التقرير على أن «الاعتماد على البيانات العقيمة والمؤتمرات المتوقعة والدبلوماسية الحذرة محكوم عليه بالفشل».
وزاد من قلق الأوروبيين أن روبيو اتجه بعد المؤتمر مباشرة إلى المجر وسلوفاكيا، الدولتين الأوروبيتين الأكثر ميلًا نحو القومية والتقارب مع روسيا، وهو ما اعتبر «إشارة قوية»، حيث قالت لوفيغارو إن روبيو توجه «إلى أصدقاء بوتين الأوروبيين في براتيسلافا وبودابست»؛ ما أرسل رسالة مقلقة حول أولويات واشنطن الحقيقية في أوروبا.
ويشير كل ذلك إلى أن أوروبا تواجه خيارًا وجوديًّا: إمّا التكيف مع النظام العالمي الجديد الذي يفرضه ترامب، وإمّا بناء قدراتها الدفاعية والاقتصادية لتصبح قطبًا مستقلًّا. لكن كما حذّر الأمين العام السابق لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في مقال رأي لفيننشال تايمز «الواقع بشأن مخاوف أوروبا من ترامب يعتمد علينا أكثر مما يعتمد عليه»، أي ليس ما إذا كانت أوروبا ستتغير، بل متى وكيف ذلك؟.