«شخبوط الطبية» تطرح علاج تحفيز العصب تحت اللسان لمرضى انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم
في قلب الحسابات الأطلسية.. غرينلاند تعيد رسم توازنات «الشمال»
جاء توقيع اتفاق التعاون الدفاعي بين الدنمارك وغرينلاند وجزر فارو وكندا على هامش مؤتمر ميونخ للأمن في بيئة أوروبية تتعامل مع ملف الشمال كبند دائم في جدول الأمن الجماعي.
الصيغة المعلنة للاتفاق تركز على المراقبة الجوية والبحرية، وتبادل البيانات العملياتية، والتدريب المشترك، وتطوير أنظمة الاستشعار والاتصال.
وتحظى تفاصيل الاتفاق التقنية باهتمام مباشر من دوائر التخطيط في بروكسل وكوبنهاغن وأوتاوا، حيث يجري إدماجه في خطط أوسع تخص الجاهزية في شمال الأطلسي.
مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع على مداولات ميونخ أكد لـ»إرم نيوز» أن الاتفاق كان قيد التحضير منذ أسابيع، وأن توقيته يرتبط بمراجعة شاملة لانتشار الأصول البحرية والجوية في الشمال.
وأشار المصدر إلى أن أجهزة الرادار والإنذار المبكر في غرينلاند تخضع حاليًا لتحديث تقني مرتبط ببرامج أوروبية–أطلسية، وأن كندا دخلت في مسار تنسيق مباشر مع الدنمارك بشأن تبادل صور الأقمار الصناعية ومعلومات حركة الملاحة في الممرات القطبية.
أولوية عملياتية
إعلان مهمة «حارس القطب الشمالي» من قبل حلف شمال الأطلسي قبل أيام من توقيع الاتفاق وضع الشمال ضمن خطة انتشار موسعة.
وأوضح المصدر الأوروبي أن المهمة تشمل زيادة عدد الطلعات الاستطلاعية، وتوسيع نطاق المناورات البحرية المشتركة، مع تركيز خاص على البنية التحتية الحيوية في غرينلاند وجزر فارو. ووفق المصدر، جرى في الأسابيع الماضية تقييم تفصيلي لموانئ المياه العميقة في المنطقة، وقدرة المدارج الجوية على استقبال طائرات نقل عسكري ثقيلة.
يذكر أنه في الحادي عشر من فبراير شباط الجاري أعلن حلف شمال الأطلسي «الناتو» إطلاق مهمة جديدة في القطب الشمالي تحت اسم «حارس الشمال»، بهدف تعزيز وجود الحلف في المنطقة والتنسيق بين الدول الأعضاء على مستوى المراقبة والجاهزية العملياتية.
وتم الإعلان عن المهمة ضمن بيان رسمي، وحُددت بتنسيق الوجود العسكري المتزايد في شمال الأطلسي، مع التركيز على التدريب المشترك والمراقبة في بيئات المناخ القطبي.
التحركات الدبلوماسية في غرينلاند، بما فيها افتتاح قنصليات أوروبية جديدة، تُدار ضمن خطة سياسية موازية. وأشار المصدر إلى أن الاتحاد الأوروبي يناقش حاليًا حزمة استثمارات في مجالات الاتصالات والطاقة في الجزيرة، مع ربطها مباشرة ببرامج الأمن البحري وحماية سلاسل الإمداد. كما يُعالج الملف داخل مؤسسات الاتحاد كجزء من استراتيجية أشمل تتعلق بالمواد الخام النادرة ومسارات الشحن القطبية. وأوضحت التصريحات الرسمية الصادرة في بروكسل من قيادة حلف شمال الأطلسي قبل اجتماع وزراء دفاع الحلف أن المهمة تُجمع تحت قيادة واحدة جهود التدريبات المنتظمة التي تقوم بها الدول الأعضاء.
المهمة الجديدة هي جزء من استراتيجية حقيقية لتعزيز القدرات العملياتية في المنطقة، بما يشمل العمل في مجالات المراقبة الجوية والبحرية والتنسيق بين قوات متعددة.
القيادة المشتركة للمهمة تديرها قيادة القوة المشتركة في نورفولك وهي إحدى القيادات العملياتية التابعة لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، وتتولى مسؤولية الإشراف على أمن شمال الأطلسي وخطوط الاتصال البحرية بين أمريكا الشمالية وأوروبا. وتشارك أوروبا بشكل فعلي في ترجمة نشاطات «حارس الشمال» على الأرض والبحر والجو، فالسويد أعلنت نشر طائرات مقاتلة JAS 39 وفرق رينجرز في محيط غرينلاند في إطار المهمة. أما الدنمارك فقررت تقديم أربع طائرات F-35 لدعم المهمة، كدلالة على التزامها بتعزيز الوجود العسكري في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في سياق تنسيق أوسع بين القوى الأوروبية في شمال الأطلسي ضمن نشاطات الناتو، وتدخل في سياق الترتيبات التشغيلية التي تتجاوز مجرد المناورات التقليدية.
التنسيق مع كندا وحسابات الانتشار
المحادثات بين كوبنهاغن وأوتاوا تجاوزت إطار التدريب. وكشف المصدر الدبلوماسي عن اجتماعات تقنية عقدت في كانون الثاني الماضي لبحث توزيع أعباء المراقبة الجوية فوق المجال القطبي، وإمكانية نشر منصات استطلاع كندية في قواعد دنماركية خلال فترات محددة من العام.
ويجري العمل على إنشاء آلية تنسيق بين قيادات العمليات البحرية في البلدين، تشمل تبادلا فوريا لبيانات الحركة تحت السطحية. ووفق المصدر، يرى الجانب الكندي في الشراكة مع الدنمارك امتدادًا طبيعيًا لحضوره في القطب الشمالي، ويحرص على تثبيت موقعه ضمن ترتيبات الشمال الأوروبي. وتناولت الاجتماعات التي سبقت التوقيع أيضًا سيناريوهات إدارة الأزمات البيئية والبحث والإنقاذ، مع إدماج هذه الملفات ضمن التخطيط الدفاعي.
ويشير التقرير العسكري للناتو إلى أن المهمة الجديدة تأتي في سياق تزايد النشاط العسكري الروسي والبناء العسكري في القطب الشمالي، إلى جانب اهتمام الصين بالمنطقة لأغراض تجارية واستراتيجية. هذا الإطار لا يقتصر على التعاون داخل الحلف فقط، وإنما يدخل في حسابات أوسع تتعلق بالمنافسة على موارد وممرات استراتيجية في المنطقة. في ميونخ، دار نقاش موسع حول قدرة أوروبا على تعزيز حضورها الأمني في أطرافها الجغرافية. وأكد المصدر أن ملف غرينلاند طُرح في أكثر من اجتماع مغلق، وأن هناك توافقاً على إدراج الشمال ضمن أولويات التمويل الدفاعي الأوروبي في الدورة المقبلة.
كما يجري العمل على إعداد ورقة مشتركة بين عدة عواصم أوروبية لتحديد متطلبات البنية التحتية العسكرية في المناطق القطبية، على أن تُعرض خلال الربيع المقبل.
وتتركز الرؤية الأوروبية على الجاهزية والقدرة على العمل المشترك، مع ربط واضح بين الشمال والملفات الأوسع المتعلقة بالأمن البحري والطاقة.
وشدد المصدر على أن أي ترتيبات جديدة ستبقى مندمجة في الإطار الأطلسي، مع تركيز على التنسيق العملي وتفادي الازدواجية في الهياكل القيادية.
معادلة السيادة والاستثمار
يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي منذر سليمان، في حديث لـ»إرم نيوز»، إن ما يحدث في الشمال يعكس تحوّلًا داخل التفكير الأمني الأوروبي نحو الأطراف الجغرافية للحلف.
وفي تقديره، فإن غرينلاند باتت عقدة استراتيجية تتصل مباشرة بأمن الاتصالات البحرية، وحركة الطيران العسكري، ومسارات الطاقة في شمال الأطلسي. ولفت سليمان إلى أن التحرك الدنماركي–الكندي يعكس رغبة في تثبيت إدارة جماعية للفضاء القطبي قبل أن يتحول إلى مساحة تنافس مفتوح. وأكد أن أوروبا باتت أكثر حساسية تجاه أي فراغ مؤسسي في مناطقها الطرفية، وأن الترتيبات التشغيلية الحالية تمنح الحلف قدرة على إدارة المجال البحري والجوي في الشمال ضمن بنية تنسيق مستقرة.
وأضاف أن التحركات الأخيرة تشير إلى انتقال الشمال من ملف ردّ فعل إلى ملف تخطيط طويل الأمد، مع اهتمام واضح بالبنية التحتية العسكرية والمدنية في غرينلاند، وبحماية شبكات الاتصالات البحرية العابرة للأطلسي. داخل غرينلاند، يواكب الاتفاق نقاش حول إدارة الموارد والبنية التحتية. وأشار المصدر الدبلوماسي الأوروبي إلى تواصل مباشر بين المفوضية الأوروبية وسلطات الجزيرة بشأن مشاريع استكشاف ومعالجة المعادن، وربط هذه المشاريع ببرامج حماية المنشآت الحيوية.
كذلك فإن العواصم الأوروبية تراقب التحولات داخل الجزيرة، وتحرص على تثبيت قنوات اتصال دائمة مع السلطات المحلية.
الاجتماعات الأخيرة في بروكسل تناولت آليات تعزيز الحضور الأوروبي في قطاعات التعليم والبحث العلمي في غرينلاند، ضمن مقاربة تدمج الأمن بالتنمية.
في قلب التخطيط الدفاعي الأوروبي
وترى إليزابيث برو، الباحثة والمحللة في شؤون الأمن الأوروبي والدفاع الأطلسي، أن الاتفاق الدنماركي–الكندي يعكس انتقال ملف القطب الشمالي من كونه ملفاً موسمياً في النقاشات الأوروبية إلى ملف إداري داخل دوائر التخطيط الدفاعي. وفي حديث لـ»إرم نيوز»، قالت إن التحرك الحالي يرتبط بتراكم تقني وميداني أكثر مما يرتبط برد فعل سياسي آني. وأشارت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تضخمًا في الحركة البحرية والتجارية في الشمال؛ ما فرض على الدول الأوروبية إعادة تنظيم آليات المراقبة وتبادل البيانات.
وذكرت برو أن ما يلفت في الاتفاق هو تركيزه على التشغيل المشترك للقدرات، حيث إن هذا النوع من الترتيبات يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن إدارة المجال القطبي تحتاج إلى بنية تنسيق دائمة، تتعامل مع حركة السفن، والأنشطة البحثية، والبنية التحتية للطاقة والاتصالات. وأضافت أن كندا تمتلك خبرة عملية في إدارة بيئة قطبية معقدة، وأن إدماجها في الترتيبات الجديدة يمنح المشروع بعدًا تطبيقيًا، خصوصاً في مجالات البحث والإنقاذ، وإدارة الطوارئ البيئية، وتأمين الممرات البحرية. واعتبرت برو أن المسألة تتجاوز البعد العسكري المباشر، فالشمال يكتسب أهمية في حسابات الطاقة والنقل والموارد؛ ما يضعه ضمن خرائط المخاطر التي تتابعها العواصم الغربية عن كثب.
ووفق تحليلها، فإن أوروبا تسعى إلى تثبيت حضور منظم في منطقة تتزايد فيها المنافسة الجيوسياسية، من دون تحويلها إلى بؤرة توتر مفتوحة.