مسرح الحياة …
حين ندخل إلى الأماكن العامة في الشارع، في المول، في المجلس، في الدوائر الحكومية، في أماكن العمل، لا ندخلها بصفتنا الحقيقية فقط، بل ندخلها مؤدّين.
نرتدي أدوارًا غير مكتوبة، ونحفظ نصوصًا لم نخترها، ونقف على خشبة مسرح يومية اسمها مسرح الحياة .
في هذا المسرح، لا يوجد ستار يُرفع ولا جمهور يُصفّق، لكن العيون تراقب، والأدوار تُقيَّم، والخروج على النص قد يكون مكلفًا.
هناك من يؤدي دور الموظف المثالي، حتى لو كان منهكًا من الداخل.
وهناك من يلعب دور القائد الواثق، بينما يخفي تردده خلف لغة رسمية صارمة.
وآخر يتقن دور الصامت، لا لأنه لا يملك رأيًا، بل لأنه تعلم أن الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الصدق.
في الحياة ، لا نقول كل ما نعرف، ولا نُظهر كل ما نشعر، لأن المشهد لا يحتمل الارتجال دائمًا.
في مسرح الحياة، نتقن فن التكيّف أكثر مما نتقن فن الصدق.
نغيّر نبرة أصواتنا بحسب المكان، ونختار كلماتنا كما يختار المخرج إضاءة المشهد .
نبتسم حين يُنتظر منا الابتسام، ونصمت حين يكون الصمت هو الدور المطلوب، لا لأننا لا نملك قولًا، بل لأننا نحسب ثمن الكلمة قبل خروجها.
هذا المسرح لا يمنحنا فرصة الإعادة.
المشهد يُعرض مرة واحدة، والخطأ يُحفظ في الذاكرة، والنجاح لا يُصفَّق له دائمًا.
ومع ذلك، نستمر في الأداء، لأن التوقّف ليس خيارًا، ولأن الحياة — مثل أي مسرح — لا تنتظر من يتردد خلف الكواليس.
لكن خلف هذا كله، خلف الأقنعة المتقنة والأدوار المحفوظة، يقف إنسان حقيقي.
إنسان يتعب من التمثيل، ويشتاق إلى مشهد بلا جمهور، إلى لحظة يكون فيها نفسه فقط، بلا نص ولا تقييم.
هناك، في المساحة الضيقة بين ما نحن عليه وما نُجبر أن نكونه، تولد الأسئلة الصامتة:
من نكون حين نغلق الأبواب؟
ومن نكون لو سُمح لنا أن نخرج على النص؟
ربما لا نستطيع مغادرة مسرح الحياة،
لكننا نستطيع — على الأقل — أن نمنح أنفسنا مشاهد صادقة قصيرة،
نخلع فيها الدور، ونُعيد ترتيب أنفاسنا،
ثم نعود… لا لأننا نحب التمثيل،
بل لأننا تعلمنا أن نعيش، حتى ونحن على خشبة الحياة ،،، ودمتم بخير ،،،