رئيس الدولة يمنح سفيرة جمهورية مالطا وسام الاستقلال من الدرجة الأولى
أكدت أن الجماعة تواجه أزمة بنيوية عميقة بعد 13 عاماً من خروجها من السلطة
ندوة لـ» تريندز « تناقش مستقبل «جماعة الإخوان» بين التشظي التنظيمي وتراجع النفوذ واستمرار المواجهة الفكرية
أكدت ندوة نظمها «تريندز جلوبال» عبر مكتبه الافتراضي في القاهرة، أن مرور ثلاثة عشر عاماً على الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجماعة، أعادت رسم ملامح حضورها التنظيمي والفكري والسياسي، في ظل تراجع نفوذها الداخلي والإقليمي والدولي، وتصاعد الانقسامات داخلها، وتزايد التحديات التي تواجه مستقبلها، مع اقتراب مرور مئة عام على تأسيسها.
وجاءت الندوة، التي حملت عنوان «الإخوان المسلمون بعد 13 عاماً من الإطاحة بهم في مصر: من الصعود إلى الأفول»، تزامناً مع ذكرى 30 يونيو، في إطار حرص «تريندز» على تقديم قراءات علمية رصينة للقضايا الإقليمية والفكرية، ومناقشة التحولات التي تشهدها التنظيمات الإسلاموية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وشارك في الندوة نخبة من الباحثين المتخصصين، هم الدكتور توفيق أكليمندوس، أستاذ ومحاضر في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وطارق أبو السعد، كاتب وباحث في شؤون الإسلام السياسي، والكاتب والباحث المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة أحمد بان، ومنير أديب، باحث متخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، فيما أدارتها الباحثة الرئيسية في «تريندز» علياء النعيمي. ، حيث ناقش المشاركون واقع الجماعة بعد أكثر من عقد على خروجها من السلطة، وانعكاسات ذلك على بنيتها التنظيمية وخطابها الفكري وشبكاتها الإقليمية والدولية، واستشرفوا مستقبلها في ضوء المتغيرات السياسية والأمنية والفكرية.
مسار الجماعة وتحولاتها
في مستهل الندوة، أكدت علياء النعيمي أن تنظيم هذه الحلقة الحوارية يأتي في لحظة تستدعي قراءة علمية هادئة وموضوعية لمسار جماعة الإخوان المسلمين بعد ثلاثة عشر عاماً من الإطاحة بها، موضحة أن النقاش لم يعد يقتصر على أسباب خروج الجماعة من السلطة، بل امتد إلى تقييم حصيلة مشروعها السياسي ومدى قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، في ظل بيئة إقليمية ودولية أصبحت أكثر إدراكاً لطبيعة التنظيمات الإسلاموية العابرة للحدود. وشددت على أن المواجهة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني، وإنما تشمل أيضاً تفكيك البنية الفكرية والأيديولوجية للتنظيمات المتطرفة، وتعزيز الوعي المجتمعي، والتمييز بين الدين بوصفه منظومة قيم وأخلاق وبين توظيفه لتحقيق أهداف سياسية.
نقطة التحول الأكبر
أجمع المتحدثون على أن أحداث عام 2013 تمثل أكبر منعطف في تاريخ جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928، إذ لم تقتصر تداعياتها على فقدان السلطة، بل امتدت إلى بنيتها التنظيمية وقيادتها وخطابها الفكري وآليات التمويل والحشد والتجنيد، فضلاً عن تأثيرها في شبكاتها الإقليمية والدولية، ما جعل مستقبلها محل تساؤلات واسعة.
وأشار أحمد بان إلى أن الجماعة واجهت أزمات سابقة، إلا أن الأزمة الحالية تختلف لأنها تمس جوهر التنظيم نفسه، لافتاً إلى أن بعض القيادات باتت تميل إلى استبدال التنظيم الهرمي بالعمل الفكري والإعلامي المفتوح، مستفيدة من الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي للحفاظ على حضورها الفكري.
من الشرعية
المجتمعية إلى العزلة
أكد المشاركون أن الجماعة فقدت جانباً كبيراً من حواضنها الشعبية، معتبرين أن ما جرى في عام 2013 لم يكن مجرد مواجهة بين الدولة والجماعة، بل عكس رفضاً مجتمعياً واسعاً لتجربتها في الحكم.
وأكد الدكتور توفيق أكليمندوس أن السلوك السياسي والتنظيمي للجماعة، ومحاولاتها السيطرة على مؤسسات الدولة، وما وصفه بسياسات «أخونة الدولة»، أسهم في اتساع حالة الرفض الشعبي، مشيراً إلى أن الجماعة فقدت بدرجة كبيرة قدرتها على الحشد في ظل المتغيرات الأمنية والاجتماعية. ورأى أن جزءاً من هذا الرفض يحمل طابعاً عاطفياً أكثر منه فكرياً، محذراً من أن ضعف الذاكرة الجمعية لدى بعض الشرائح قد يسمح بإعادة إنتاج التعاطف مع الجماعة إذا تراجعت جهود مؤسسات التنشئة والإعلام في مواجهة خطابها.
من جانبه، أوضح طارق أبو السعد أن تراجع نفوذ الجماعة داخل الجامعات والنقابات والجمعيات الأهلية لم يكن نتيجة الإجراءات الأمنية فقط، بل أيضاً نتيجة انكشاف ممارساتها وأدائها السياسي خلال فترة وجودها في السلطة، الأمر الذي دفع ما تبقى من حواضنها إلى إخفاء انتمائها الفكري بدلاً من التعبير العلني عنه.
التشظي التنظيمي
أكدت الندوة أن الجماعة تعيش اليوم حالة غير مسبوقة من التشظي التنظيمي بعد أن كانت تعتمد على بنية هرمية مركزية قوية.
وأشار منير أديب إلى انقسام التنظيم بين عدة مراكز للقرار، أبرزها جبهة لندن وجبهة إسطنبول والمكتب العام، إلى جانب مجموعات منشقة، وهو ما انعكس على وحدة القيادة والخطاب والتمويل وآليات اتخاذ القرار.
وأضاف طارق أبو السعد أن الأزمة تجاوزت مجرد الانقسام التنظيمي إلى تبادل الاتهامات بين القيادات بالعمالة لأجهزة استخباراتية واختلاس الأموال والتبرعات، وهي اتهامات ألحقت ضرراً مباشراً بصورة الجماعة التي طالما قدمت نفسها بوصفها النموذج الأكثر نزاهة، مؤكداً أن الأزمة لم تعد تنظيمية فحسب، بل باتت تمس المشروع الفكري الذي قامت عليه الجماعة منذ تأسيسها.
مستقبل الأفكار
شهدت الندوة نقاشاً معمقاً حول مستقبل الأفكار المؤسسة للجماعة، حيث رأى منير أديب أن هذه الأفكار أصبحت أقل جاذبية، وأن التنظيم يواجه تراجعاً واضحاً في قدرته على الاستقطاب والتجنيد، مع استمرار خطر بعض الأفكار العنيفة المتفرعة عن أدبياته، وهو ما يجعل استمرار المواجهة الفكرية أمراً ضرورياً إلى جانب الإجراءات القانونية والأمنية.
في المقابل، دعا أحمد بان إلى التمييز بين التنظيم والأفكار، معتبراً أن التنظيم يواجه أزمة حقيقية، لكن بعض الأفكار قد تستمر عبر استراتيجيات جديدة تعتمد بصورة أكبر على الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام الجديد، بعيداً عن الهياكل التنظيمية التقليدية.
تحول في بيئة الحركة
أكد المشاركون أن تراجع الجماعة في مصر انعكس بصورة مباشرة على امتداداتها الإقليمية والدولية، فأضعف مركزية القرار، وزاد من حدة الانقسامات، وأثر في شبكات التمويل والتواصل بين الفروع.
وأشار الدكتور توفيق أكليمندوس إلى أن الجماعة تسعى إلى إعادة التموضع في بعض الدول الأوروبية عبر العمل المحلي داخل البلديات والجاليات المسلمة، مستفيدة من الأطر القانونية للمجتمع المدني، في وقت بدأت فيه حكومات أوروبية بإعادة تقييم تعاملها مع التنظيم وشبكاته في ضوء تنامي المخاوف المرتبطة بالتطرف والأمن المجتمعي.
وأضاف منير أديب أن هذا التراجع تزامن مع تضييق دولي متزايد على الجماعة، سواء من خلال إدراج بعض فروعها على قوائم التنظيمات الإرهابية أو عبر تحركات تشريعية في عدد من الدول الأوروبية، بما يعكس تصاعد القلق من تأثير التنظيمات الإسلاموية في الأمن والاستقرار.
سيناريوهات المستقبل
استعرض الخبراء عدداً من السيناريوهات المحتملة لمستقبل الجماعة، من بينها استمرار حالة الانقسام والتفكك، أو إعادة إنتاج التنظيم بصورة أصغر وأقل تأثيراً، أو تحوله إلى تيار فكري وشبكات غير مركزية تعتمد على الإعلام الرقمي بدلاً من التنظيم الهرمي التقليدي.
ورجح منير أديب أن يكون التفكك الكامل للتنظيم هو السيناريو الأقرب، معتبراً أن الجماعة لم تفقد السلطة فقط، بل فقدت أيضاً جانباً كبيراً من قبولها الاجتماعي، وهو ما جعل الفكرة المؤسسة أقل قدرة على التأثير من أي وقت مضى.
أما أحمد بان، فطرح ثلاثة مسارات محتملة تتمثل في إجراء مراجعات واسعة قد تقود إلى حل التنظيم وإعادة التموضع، أو الانقسام إلى اتجاهين معتدل ومتطرف، أو التحول إلى تيار فكري غير مؤطر تنظيمياً يعتمد على الشبكات الإعلامية والفكرية بدلاً من البنية التنظيمية الصلبة.
وفي ختام الندوة، أكد المشاركون ضرورة مواصلة جهود المواجهة الشاملة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وعلى المستوى الدولي، مشددين على أن الجماعة تمثل التنظيم الأم الذي انبثقت عنه العديد من التنظيمات والتيارات المتطرفة التي غذّت ظاهرة الإرهاب في مناطق مختلفة من العالم.
وأشار الخبراء إلى أن تصنيف بعض فروع الجماعة، ولا سيما فرعها الأم في مصر، تنظيماً إرهابياً في الولايات المتحدة، يمثل تطوراً بالغ الأهمية، وقد يشكل المسمار الأخير في نعش هذا التنظيم الذي يقترب من مرور مئة عام على تأسيسه.
كما أكد المشاركون أن المواجهة الفكرية للجماعة يجب أن تستمر بالزخم نفسه، ولا سيما في الفضاء الرقمي الذي باتت تستغله لنشر أيديولوجيتها المتطرفة وأفكارها المسمومة ، داعين إلى تعزيز الجهود البحثية والتوعوية الرامية إلى تفكيك خطابها وكشف مخاطره. وأشادوا في هذا السياق بالدور الذي يقوم به «تريندز» في إنتاج الدراسات والبحوث وتنظيم الفعاليات العلمية التي تسهم في مواجهة الفكر المتطرف وتعزيز الوعي المجتمعي