خالد بن محمد بن زايد يحضر حفل استقبال بمناسبة زفاف محمد أحمد علي الهاشمي
«التمرير القسري».. كيف حسمت «المادة 49.3» معركة الموازنة في فرنسا؟
بعد أربعة أشهر من النقاشات البرلمانية المتعثرة، لجأ رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو في 30 يناير الماضي إلى تفعيل المادة 49.3 من الدستور للمرة الثالثة، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، لتمرير موازنة الدولة لعام 2026 دون تصويت برلماني. وجاءت هذه الخطوة بعد أن كان ليكورنو تعهد في أكتوبر الماضي بعدم اللجوء إلى هذه الأداة المثيرة للجدل، والتي توصف غالبًا بـ»التمرير القسري».
ما المادة 49.3؟ المادة 49.3 هي أداة دستورية قوية تمنح رئيس الوزراء صلاحيات استثنائية. فبموجبها، يستطيع رئيس الحكومة، بعد مداولات مجلس الوزراء، إقرار مشروع قانون دون الحاجة لتصويت البرلمان. عند تفعيل هذه المادة، تُوقف المناقشات البرلمانية فورًا ويُعتبر القانون مُقرًّا تلقائيًّا، ما لم يقدم النواب اقتراحًا بحجب الثقة خلال 24 ساعة.
تم إدخال هذه المادة مع دستور الجمهورية الخامسة عام 1958، وكانت في البداية تُستخدم دون قيود. لكن منذ التعديل الدستوري عام 2008، أصبح استخدامها مقيدًا بمشروع قانون واحد فقط لكل دورة برلمانية، باستثناء قوانين الموازنة والضمان الاجتماعي التي يمكن استخدامها فيها دون حدود. هذا الاستثناء هو ما استغله ليكورنو لتمرير الموازنة.
كيف استخدمها ليكورنو؟ .. احتاج رئيس الوزراء لتفعيل المادة ثلاث مرات متتالية: المرة الأولى في منتصف يناير للجزء الخاص بالإيرادات، والثانية للنفقات، والثالثة يوم الـ30 من يناير على النص الكامل بعد مروره بمجلس الشيوخ. في كل مرة يتم تفعيل المادة، يحق للنواب تقديم اقتراح بحجب الثقة من الحكومة.
وقد ظهر ليكورنو أمام الجمعية الوطنية في خطاب لم يتجاوز 13 ثانية أمام قاعة شبه خالية، معلنًا استخدام المادة بقوله: «يجب أن يكون لفرنسا موازنة، ولذلك أمام هذه القاعة، أُشرك مسؤولية الحكومة على مجمل مشروع قانون المالية لعام 2026». هذا الإعلان السريع أثار انتقادات حادة من المعارضة. رئيس لجنة المالية إريك كوكيريل انتقد السرعة التي تم بها الإعلان، قائلًا إن رئيس الوزراء «لم ينتظر حتى وصول أعضاء اللجنة إلى القاعة».
معادلة البقاء السياسي ..لإسقاط الحكومة، يتطلب الأمر 289 صوتًا من أصل 577 نائبًا (مع وجود مقعد شاغر حاليًّا). وقدم اليسار المتطرف واليمين المتطرف اقتراحات بحجب الثقة. لكن الحزب الاشتراكي، الذي يملك أصواتًا حاسمة، رفض الانضمام ما منح الحكومة هامش أمان يقدر بنحو عشرين صوتًا.
تنازلات لتجنب السقوط .. لضمان بقاء حكومته وكسب دعم الاشتراكيين، قدم ليكورنو سلسلة من التنازلات المهمة. شملت: وجبات بسعر يورو واحد للطلاب الجامعيين، زيادة علاوة النشاط للعمال محدودي الدخل، إنشاء 2000 وظيفة جديدة في وزارة التعليم الوطني، وفرض ضرائب إضافية على 300 شركة كبرى. هذه التنازلات أثارت استياء الكتلة الوسطية والنواب الموالين للرئيس ماكرون، خاصة فيما يتعلق بالضرائب على الشركات الكبرى. لكن رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بورن عبرت عن رغبة الجميع في “الانتهاء” من هذه الأزمة، بينما يبدو أن المحافظين غير مستعدين للتصويت بحجب الثقة.
موازنة مثيرة للجدل
تهدف الموازنة لخفض العجز المالي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ5.4% في 2025، بعد أن كان الهدف الأولي 4.6%. لكن وكالة موديز للتصنيف الائتماني وبعض البرلمانيين شككوا في قدرة الحكومة على تحقيق هذا الهدف.
المقرر البرلماني فيليب جوفان من حزب الجمهوريين أوضح أن الموازنة اضطرت لاستيعاب تداعيات قرارات ميزانية الضمان الاجتماعي، بما في ذلك تعليق إصلاح نظام التقاعد، الذي رفع العجز بنحو 0.3 نقطة من الناتج المحلي. كما تم تخفيض الجهود المطلوبة من الهيئات المحلية إلى النصف بناءً على طلب مجلس الشيوخ.
رغم ذلك، دافعت وزيرة الحسابات العامة أميلي دو مونشالان عن الموازنة أمام مجلس الشيوخ الخميس، واصفة إياها بأنها “نص مفيد للفرنسيين” رغم كونها “غير مثالية”، لكنها تسمح بـ”الخروج من مناخ عدم اليقين الذي ساد منذ عدة أشهر”.
تاريخ حافل بالجدل
استُخدمت المادة 49.3 أكثر من 100 مرة منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958. يحمل رئيس الوزراء الاشتراكي ميشيل روكار الرقم القياسي بـ28 استخدامًا بين 1988 و1991، في فترة لم تكن فيها قيود على الاستخدام. تليه إليزابيث بورن التي استخدمتها 23 مرة خلال 20 شهرًا في منصبها “2022-2024”، منها 11 مرة لتمرير إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل في مارس 2023.
من بين جميع هذه الحالات، أدت اقتراحات حجب الثقة لإسقاط حكومتين فقط: حكومة جورج بومبيدو عام 1962 “لكن بموجب المادة 49.2 التي تسمح للنواب بتقديم حجب الثقة من تلقاء أنفسهم”، وحكومة ميشيل بارنييه في ديسمبر 2024، الذي سقط بعد استخدام المادة 49.3 لتمرير موازنة الضمان الاجتماعي لعام 2025. كانت تلك المرة الأولى التي تسقط فيها حكومة بسبب المادة 49.3 منذ عقود.
التصويت الحاسم الاثنين
يُنتظر أن يتم التصويت على اقتراحي حجب الثقة المقدمين من فرنسا الأبية والتجمع الوطني الاثنين 2 فبراير ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً. هذه هي المحاولة الخامسة والسادسة لإسقاط حكومة ليكورنو، بعد أربع محاولات فاشلة سابقة: منها اثنتان على الجزء الخاص بالإيرادات واثنتان على الجزء الخاص بالنفقات.
في جميع التصويتات السابقة، كان امتناع الاشتراكيين عن التصويت عاملًا حاسمًا في إنقاذ الحكومة من السقوط، بعد أن رأوا أن الموازنة تضمنت تحسينات مقارنة بالنسخة الأصلية المقدمة من الحكومة. ومن المتوقع أن يكرروا الموقف ذاته الاثنين.
في حال رفض اقتراحي حجب الثقة كما هو متوقع، ستُقر الموازنة نهائيًّا وتُحال إلى المجلس الدستوري، الذي سيفحص مدى توافقها مع الدستور قبل إصدارها رسميًّا. هذا سينهي حالة “القانون الخاص” الهشة التي تم التصويت عليها في نهاية ديسمبر لضمان استمرارية الدولة وتحصيل الضرائب في غياب موازنة مصادق عليها.